مشروع القرار الفرنسي – الاميركي اعادة انتاج ل"اتفاق 17 ايار " بعد تعديلات واشنطن
كتبهاhasanaa1 ، في 11 أغسطس 2006 الساعة: 14:59 م
مشروع القرار الفرنسي – الاميركي اعادة انتاج ل"اتفاق 17 ايار " بعد تعديلات واشنطن
حسن احمد عبد الله :
تعمل الولايات المتحدة الاميركية في الحرب الاسرائيلية على لبنان الدائرة حاليا على خطين , الاول منح اسرائيل اكبر قدر ممكن من الوقت لتحقيق اهداف استراتيجية يمكن جعلها انتصارا , والثاني ممارسة اقصى الضغط على لبنان للقبول بالمشروع الفرنسي – الاميركي للحل , ولاسيما بعد ان ادخلت واشنطن تعديلات على مشروع القرار الدولي جعلته اقرب مايكون الى الاهداف الاسرئيلية من هذه الحرب .
في خضم الحربين الشرستين التي تدور رحاهما على الارض في لبنان والاراضي الفلسطينية المحتلة , وفي اروقة الامم المتحدة وبعض العواصم العربية وغير العربية تغيب عن بال الكثيرين حقيقة المشروع الاسرائيلي للبنان , وبخاصة الاهداف الاستراتيجية المزمنة لتل ابيب في لبنان , وتحديدا تلك المتعلقة في تحييد لبنان واخراجه من الصراع العربي – الاسرائيلي , ليس من اجل الاستفراد بسورية فقط , انما من منع الخصوصية اللبنانية من انتاج نماذج جديدة للصراع على مستوى المقاومة . فلبنان تاريخيا كان يصارع اسرائيل عبر المقاومة وليس عبر قواته النظامية التي لم ترتق في التسليح يوما ما الى مستوى التصدي للجيش الاسرائيلي , وذلك نتيجة من عوامل عديدة , سياسية وغير سياسية .
واذا كانت واشنطن الان اكثر الحاحا في ارغام لبنان والعالم على القبول بوجهة نظرها في الحل , ومعها ضمنا اسرائيل فان الاخيرة لم تخف في اي لحظة من اللحظات ومنذ امد بعيد ماتريده من لبنان , ولذلك رأينا كيف ان الخطاب الاسرائيلي ومنذ الساعات الاولى للحرب الاخيرة سارعت الى اعلان اهدافها بوضوح , وهي اهداف قديمة تعود الى ماقبل نشوء حزب الله , عام 1982 , اذ تطالب اسرائيل بمنطقة امنية في الجنوب اللبناني شبه منزوعة السلاح , وولقد بني اتفاق 17 ايار( مايو) عام 1983على قاعدة المنطقة الامنية التي اخذت حيزا كبيرا من الاتفاق ذاته , ومن ملاحقه وذيوله المرفقة .وهذه المنطقة تمتد من جنوب الليطاني الى الحدود اللبنانية - الفلسطينية المحتلة , وفرضت اسرائيل على الجيش اللبناني في الاتفاق المشار اليه ان يكون اشبه بقوة امن داخلي تنحصر مهمته في حفظ امن حدود المستعمرات الاسرائيلية المنتشرة على طول الحدود اللبنانية - الفلسطينية المحتلة , وحدد في ملحق الاتفاق العديد والعتاد المفروض استخدامه من قبل الجيش اللبناني في المنطقة المشار اليها , في وقت لم يلحظ الاتفاق اي شيء بالنسبة الى الجيش الاسرائيلي وعديده وعتاده في الجهة المقابلة من الحدود .
ففي المادة الثالثة من الاتفاق (حسب ماجاء في النص الذي اصدره لبنان ضمن ماعرف بالكتاب الابيض عن هذا الاتفاق ) تنص على مايلي" رغبة في توفير الحد الاقصى من الامن للبنان واسرائيل يقيم الفريقان ويطبقان , منطقة امنية , وفقا لما هو منصوص عليه في ملحق هذا الاتفاق ".
و في الفقرة الرابعة من المادة السادسة من مشروع القرار الفرنسي- الاميركي نلاحظ العودة الى المنطقة الامنية التي تطالب بها اسرائيل اذ في هذه الفقرة جاء مايلي " … تسويات أمنية لمنع استئناف الاعمال العدائية، بما في ذلك اقامة منطقة حرة من كل هيئة مسلحة، بين الخط الازرق ونهر الليطاني، باستثناء تلك التي لقوات الجيش وقوات الامن اللبنانية، والقوات الدولية ذات التفويض من الامم المتحدة والتي سترابط في هذه المنطقة" .
اتفاق "17 ايار" فرضه الاحتلال الاسرائيلي عام 1982 لاكثر من نصف الاراضي اللبنانية والنظام السياسي الذي اتت به الدبابات الاسرائيلية , لكن وفي اقل من عام اسقط اتفاق العار هذا وسقطت معه انذاك نظرية " العصر الاسرائيلي" في لبنان , وكانت المقاومة الوطنية اللبنانية فرضت على قوات الاحتلال الانسحاب من جزء كبير من الاراضي اللبنانية المحتلة بين عامي 1982 و1985 حين اندحرت قوات الاحتلال من جزء كبير من الاراضي اللبنانية التي كانت قد احتلتها في غزوها عام 1982 .
ومنذ العام 1985 وحتى العام 2000 بقيت قوات الاحتلال في المنطقة التي عرفت لاحقا ب" الشريط الحدودي " او ماكانت تطلق عليه اسرائيل "الحزام الامني وفي مايو عام 2000 فرضت المقاومة الاسلامية على القوات الاسرائيلية الاندحار من هذه المنطقة من دون ان تحقق هدفها وهو اقامة المنطقة الامنية التي عملت طويلا لاجلها.
المتابع لتطورات الاحداث في الجنوب اللبناني يلاحظ ان الخطاب الاسرائيلي منذ الاندحار في العام 2000 حتى الان كان يركز على اقامة منطقة منزوعة السلاح في الجنوب اللبناني , وعلى اخلاء تلك المنطقة من اي وجود عسكري وسياسي لاي فصيل لبناني او غير لبناني , وفي الواقع اللبناني من الصعب جدا تحييد اي منطقة سياسيا نتيجة من التعددية السياسية التي يتمتع بها هذا البلد الصغير , ولذلك اذا كانت المنطقة الامنية المطروحة في المشروع المذكور اعلاه محاولة لجعل مساحة كبيرة من الجنوب اللبناني جدارا امنيا لحماية الحدود الاسرائيلية فان القوات الدولية المطروحة في المشروع , ووجعلها تحت البند السابع من ميثاق الامم المتحدة هي في واقع الامر بديلا لقوات الاحتلال الاسرائيلي وهي لاتختلف كثيرا عما ورد في اتفاق 17 ايار ( مايو) فقد ورد في المادة السابعة"
باستثناء ما هو منصوص عليه في هذا الاتفاق وبناء على طلب الحكومة اللبنانية وموافقتها , ليس هناك مايحول دون انتشار قوات دولية على الارض اللبنانية لمؤازرة الحكومة اللبنانية في تثبيت سلطتها . ويتم اختيار الدول المساهمة الجديدة في هذه القوات من بين الدول التي تقيم علاقات ديبلوماسية مع الفريقين "
وجاء في المادة العاشرة من مشروع القرار " يعرب المجلس (اي مجلس الامن ) عن نيته - في أعقاب مصادقة حكومة لبنان وحكومة اسرائيل مبدئيا على المبادىء والعناصر للحل على المدى البعيد كما طرحت في البند 6 آنف الذكر، وبعد مصادقتهما - التخويل بقرار اضافي، بموجب الفصل 7 من الميثاق، بمرابطة قوة دولية تتلقى تفويضا من الامم المتحدة لدعم قوات الجيش اللبناني وحكومته في خلق محيط آمن والمساهمة في تطبيق وقف دائم للنار والحل على المدى البعيد" .
ان القوات الدولية المطروحة في " اتفاق 17 ايار " كان الهدف منها جعل منطقة الجنوب اللبناني تحت الوصاية الدولية , ليس حماية له من اسرائيل , انما من اجل خلق عازل امنيا دائما للحدود الاسرائيلية مع لبنان , ولذلك فان القوات الدولية الجاري الحديث عنها الان , وقوات الجيش اللبناني , ليس لهما اي مهمة خارج نطاق قمع اي قوة مقاومة , ايا كان الانتماء السياسي لهذه المقاومة , ولن يكون بمقدور هذه القوات المشتركة ردع اي عدوان اسرائيلي تحت اي حجة في المستتقبل , اذ ان اسرائيل لن تمتنع عن انتهاك الحدود اللبنانية , بريا وبحريا وجويا , فالتجربة التي تلت توقيع اتفاق الهدنة بين لبنان واسرائيل في 23 اذار ( مارس ) عام 1949 سجلت اكثر من الفي خرق لهذا الاتفاق , باستثناء الغزو الاول في سبتمبر عام 1972 , و الغزو الثاني في مارس عام 1978, والاجتياح الاسرائيلي في العام 1982 والذي كان من نتيجته فرض نظام سياسي موال بالمطلق لاسرائيل وكان اتفاق 17 ايار من اهم ما نتج عن هذا الغزو .
ان قوات الجيش اللبناني التي اقر ارسالها مجلس الوزراء اللبناني الى الجنوب يبلغ عديدها 15 الف جندي , وهي بالمناسبة مخالفة الى مانص عليه اتفاق الهدنة المشار اليه اعلاه , اذ ان الاتفاق المذكور حدد قوات الجيش الللبناني بنحو ثلاثة الاف عنصر من مختلف القوات المسلحة اللبنانية وهي اقرب في عديدها الى مانص عليه " اتفاق 17 ايار ", اما القوات الدولية المطروحة في مشروع القرار الفرنسي - الاميركي يجري الحديث الان ان عديدها يبلغ 12 الف جندي , ما يعني ان 27 الف جندي سينتشرون في الجنوب اللبناني , وفي ظل غياب مهمة دفاعية واضحة عن لبنان , للجيش اللبناني والقوات الدولية , فان المهمة تكون في واقع الامر خوض مواجهة مع المقاومة والعمل على نزع سلاحها .
وتجدر الاشارة هنا الى ان القوة العسكرية االلبنانية التي حددها "اتفاق 17 ايار" كانت لواءين من الجيش , احدهما يتألف من من الميليشيات التي كانت تدعمها اسرئيل منذ العام 1976 , ولقد ورد في الفقرة (ج) من المادة الثانية من ملحق اتفاق 17 ايار"يتمركز في المنطقة الامنية لواءان من الجيش اللبناني يكون احدهما اقليميا منطقة عمله هي البقعة الممتدة من الحدود اللينانية – الاسرائيلية " حتى الخط b " المرسوم على الخريطة المرفقة " .
اي ان الهدف من المشروع الفرنسي – الاميركي , حسب التعديلات الاميركية في نهاية المطاف اعادة انتاج " اتفاق 17 ايار " و التحضير لصراع بين هذا الجيش وبين المقاومة , ذلك لان القدرة التلسيحية للجيش اللبناني ليست بالمستوى التي تؤهله للتصدي للجيش الاسرائيلي , و المقاومة في اي مواجهة مستقبلا مع الجيش اللبناني لن تستخدم ترسانتها الاستراتيجية لانها تقاتل على ارضها وبين جماهيرها , وحتى مع دعم قوات الجيش اللبناني بقوات " ارساء استقرار دولية "( حسب التسمية الاسرائيلية ) فان المقاومة لن تستطيع استخدام ترسانتها الاستراتيجية ( الصواريخ والاسلحة الثقيلة) لانها حين ذاك تكون تعمل على الانتحار وتعرية نفسها بين جماهيرها .
وهنا تجدر الاشارة الى ان القرار السياسي الان القاضي بعدم التصادم بين الجيش والمقاومة واحتضان الاول للاخيرة ليس قرار استراتيجيا في لبنان فهو خاضع في واقع الامر الى التبدلات السياسية التي يشهدها لبنان كل بضع سنوات, واذا اخذنا بعين الاعتبار ما ادت اليه المماحاكات السياسية اللبنانية في السنتين الماضيتن , والمواقف التي اعلنت من قبل بعض الاطراف اللبنانية في الاسابيع الاخيرة لامكننا استشراف مايمكن ان تنتهي اليه التطورات بعد نحو عام واكثر بقليل من الان , ولاسيما بعد ان تعمل الاطراف المراهنة على الولايات المتحدة الاميركية على استثمار حجم الدمار والخسائر التي مني بها لبنان في التجييش ضد المقاومة .
مشروع القرار الفرنسي – الاميركي يلحظ سلسلة القرارات الدولية الصادرة عن مجلس الامن في ما يتعلق بالقضية اللبنانية – الاسرائيلية ويركز على القرارين 1559 (2004) وقرار 1680 ( 2006) وفي هذين القرارين مطالبة واضحة بنزع سلاح الميليشيات كافة في لبنان , والمقصود بذلك نزع سلاح المقاومة الى اي جهة انتمت هذه المقاومة , فاذا كان العمود الفقري الان للمقاومة من حزب الله فان هذا في واقع الامر مرحلة من مراحل المقاومة اللبنانية التي مرت منذ العام 1949 في اطوار عديدة بدأت بالمبادرات الفردية وتطورت الى التنظيمات غير الدينية والعلمانية والتي انشأت اذرعة عسكرية لها , وانتهت في هذه المرحلة الى حزب الله .
وكما اسلفنا فان مشروع القرار الفرنسي – الاميركي في جوهره ليس اكثر من اعادة انتاج ل"تفاق 17 ايار" عبر قرار دولي , رغم ان الظروف التي فرضت "اتفاق 17 ايار" عام 1982 تبدلت كثيرا اليوم واسرائيل المنتصرة في تلك المرحلة مهزومة الان , رغم الاختراقات البرية التي حققنها في عدد من المناطق الجنوبية , لكن الولايات تعمل على فرض الشروط الاسرائيلية بأي ثمن حتى وان استدعى ذلك ان تستمر الحرب في لبنان حتى تدمير كله.
ان ماتعمل عليه الولايات المتحدة هو جعل لبنان حقل الغام في المستقبل , وابقاء لبنان مختبرا للمشاريع في المنطقة ككل , وخصوصا ان المصاعب الاميركية في العراق تكاد تصل الى حد اعلان الفشل في امكانية تحقيق الهدف الذي تسعى اليه واشنطن وهو " الشرق الاوسط الجديد" الذي اعتبرت وزيرة الخارجية الاميركية كوندوليزا رايس الحرب الاسرائيلية على " بداية ولادة الشرق الاوسط الجديد " لكن يبدو ان هذا " الشرق الاوسط الجديد بات غروبا للاستقرار في المنطقة ككل نتيجة من عدم الادراك الاميركي للحقائق الاثنية والدينية والديموغرافية والسياسية في هذه المنطقة.
ولذلك تعمل واشنطن اقصى جهدها من اجل عدم السماح بتوظيف الانتصار المصنوع بالدم والصمود وبكل هذه التضحيات في المصلحة اللبنانية انما توظفيه لمصلحة اسرائيل.وما القضم الذي تعمل عليه القوات الاسرائيلية للاراضي اللبنانية في هذه المرحلة محاولة لتهيئة الارض لحقل الالغام هذا .
لن تكون كل الضمانات الدولية التي يتحدث عنها البعض الان سوى اضغاث احلام سيدفع الجنوبي ثمنها مرة اخرى ولن يسمح له بالشعور بالانتصار برغم كل الدمار والدم والمعاناة التي عانها طوال العقود الماضية , ولاسيما في الاسابيع الاخيرة. ففي لبنان لن تكاد تنتهي الحرب على الجبهة حتى تندلع المواجهة السياسية ليحصد كل فريق الثمار التي وعد نفسه بها , ولاسيما الفريق الذي يراهن الان على اسرائيل والولايات المتحدة الاميركية في التخلص من المقاومة وحزب الله .
وهنا لابد من الاشارة الى ان التدمير الممنهج الذي تستخدمه اسرائيل في مختلف المناطق الجنوبية اللبنانية الهدف منه جعل المنطقة فارغة سكانيا لفترة زمنية وذلك ادراكا منها ان المقاومة ليست مستوردة من الخارج انما هي من ابناء المنطقة , وبالتالي تكون هذه الفترة مرحلة انتظار لما ستسفر عنه التبدلات السياسية في لبنان , ولاسيما لجهة تحضير الاجواء السياسية لتصفية المقاومة.
والسؤال الواجب البحث عن اجابه عنه : الى هذا الحد ممنوع على اللبناني بعامة والجنوبي بخاصة الانتصار؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























