رسالة الى ولدي المحاصر
كتبهاhasanaa1 ، في 19 تموز 2006 الساعة: 23:25 م
رسالة الى ولدي المحاصر … !
حسن احمد عبدالله
احمد …
لك الصباح … الخير
او المساء … الخير …
لا ادري في اي وقت ستقرأ هذه الرسالة ؟
وكم اتمنى ان تقرأها سالما… ان تقرأها وقد عدت سالما الى مستقبل الوطن … الى حضن امك وابتسامة اختيك … والى … والى نظرة الوعد التي استبشر خيرا فيها كلما نظرت الى عينيك .
ياطفلي اناديك … بخجل اكتب اليك ايهاالمحاصر في عيناثا , على بعد اقل من كيلومترين من الحدود اللبنانية – الفلسطينية المحتلة .
ايها المحاصر الذي يبخل علينا جنون الحقد حتى بسماع صوتك .
تكفكف امك الدمع حتى لا يفضحها القلق عليك امام اختيك .
اشتاق اليك … كم هي صغيرة الكلمة امام اخر جملة منك سمعتها قبل ايام
:" معنوياتي شامخة كجبال لبنان ".
لتبقى شامخة
يا احمد
يعلمون اطفالهم كيف يحقدون , يتركوهم يكتبون على القذائف " هدية من اطفال اسرائيل الى اطفال لبنان" يهدون الينا الدمار والموت … فلتردوا عليهم بالصمود … بالحياة … بفرحنا … بالنصر الذي يخافه العرب الذين ادمنوا الهزيمة .
عزيزي احمد
لا صبح لنا … لا مساء … الا حين اسمع خفقة قلبك بقلبي … ياولدي منذ نبصر النور نتعلم كيف نكون مثل الارض التي انت فيها الان نعطي ولا نأخذ … نتعلم اعطاء الدم ليأخذ غيرنا زرعنا … ونبقى نعطي ويبقى الاخاذون يأخذون ببخل … وبنكران جميل .
لن اشغل رأس الصغيرة بما يدور خارج العالم الذي انت فيه … لن اشغل رأسك بكل السخافات التي لا تصنع غير الخنوع والخضوع .
لا ادري كيف انت الان ؟
لا ادري كيف تنام ؟
لا ادري ماذا تأكل ؟ ماذا تشرب ؟
يا طفلي
في الحصار تصبح اكثر حرية
في الحصار تتعلم تكسير الاسوار …
حين سمعنا خبر مجزرة عيناثا قصمت الهواجس ظهرنا … كم من مجزرة نحتاج حتى يوقن من لا يريد اليقين اننا لا نموت … ولسنا على هامش الزمن … لا ادري كم مجزرة نحتاج حتى يتعلم من لايريد ان يتعلم اننا نعيش سلامنا بكرامة ؟
ياولدي
شمس الجنوب اكثر اشراقا كلما فتحت انت واقرانك عيونكم على يوم جديد … حتى ان كان صباحكم في الملجأ… حتى ان كان مغبرا وعابقا برائحة البارود … شمس الجنوب اكثر اشراقا بكم … انتم وحدكم … الصامدون هناك … حين يعز الصمود .
يا ولدي
هل شاهدت اشلاء الاطفال الذين حصدتهم الديموقراطية الوحيدة في الشرق الاوسط التي لاتفهم غير النار لغة ؟
لاتشاهدون التلفزيون … لا تخرجون من الملجأ … لا ترون الشمس … خبزكم بات يابسا … والماء اخذ يشح … و … و … و … ماذا اخبرك ؟
ايها الطفل
لا تهن … لا تضيق ذرعا بالحصار … لا تمل من دوي القذائف فمنذ 58 عاما نعيش على دويها … وغيرنا يحيا على اصوات الموسيقى الصاخبة ويريدنا ياولدي ان لا نصرخ … لا ننوجع … لا نرفع الرأس … يريدنا ان نكون الحديقة الخلفية للوطن … خزان اليد العاملة الصامتة … الحقل الذي يزرع ولا يحصد … اليد التي تبني بلا اجر … المثقف و حامل الشهادات العليا الذي يمل من البطالة … يريدوننا ياولدي " كرم على درب " فقط لاننا ولدنا في الجنوب .
ياولدي حتى لانبقى كرما على درب عليك ان تصمد في مكانك … عليك الا تركع … عليك ان تبقى ابني الذي احتضنه … وليس الذي اتذكره … ولدي الذي اشم رائحته … وليس الذي اشتاق اليه كلما طوت الايام بعضها البعض …ياولدي
كم مخجل العجز … كم هو مخجل الخنوع .
ايها الطفل هل تتذكر حين كنت احملك وليدا بين ذراعي واهدهدك لتنام ؟
اشتاق الان الى تلك اللحظات .
هل تتذكر حين اصطحبتك للمرة الاولى الى بستان الزيتون … يومذاك كنت في الخامسة … هل تتذكر كيف تنسمنا سويا رائحة الزيتون وكان ممزوجا بالحرية … هذه الحرية التي لا يعرفها الكثيرون في هذا العالم .
هل تتذكر … هل تتذكر … هل تتذكر الحوار بينك وبين الطبيب الجراح حين اجرى لك عملية جراحية ؟
ياولدي كنا نغني
" ياجنوبي قوم تدرب على حمل البندقية
بكرا العدو بقرب هجماته العدوانية "
صغارا كنا نغنيها , وكان الجنوبي الذاهب فجرا الى حقله يتلمس بكل حذر كل شيء خوفا من العدو الذي يعمل دائما على تقريب هجماته العدوانية . كنا ننام على فراش القلق , ونستيقظ على زفرة الفجر من العتمة … وقد مر الليل بلا قصف و قمنا من نومنا احياء .
كان الجنوبي يصلي في المسجد او في الكنيسة او في الخلوة من اجل تدوم ان الصحة … ولاتهدم قذيفة منزله . وكان الحاج مصطفى الذي خسر في العام 1954 بقذيفة وزخة رشاش اسرائيليين قطيع الماعز الذي كان يملكه قد اصبح شبه متسول " جنى العمر راح بلمحة بصر … الله كبير بيجي اليوم اللي باخذ حقي من اسرائيل" كان يقول ذلك وتتدحرج دمعة من عينه السليمة على خده الذي تركت شظية اثرها فيه .
الحاج مصطفى اغمض امنيته على الحنين ومضى في صيف العام 1973 وبقيت الامنية تتناقل من ذاكرة الى اخرى .
ام جورج ورثت عن والدها بيتا من حجر وبضعة دونمات من الارض وافنى ابوجورج حياته يعتني بالارض وباشجار الزيتون التي " ربيتها بدموع العين … عندي اياها اعز من ابني جورج , الزيتونات سندي ". فجأة استيقظ ابوجورج عام 1962 على دوي انفجار … والسنة اللهب اخذت سند الرجل الى الرماد … دمعت عيناه و… صمت… وبعده باشهر قليلة صمتت ام جورج ايضا وبقي جورج ينتظر اليوم الذي يأخذ فيه حقه من اسرائيل .
في درس التاريخ اثقل كاهلنا الاستاذ سرحان بالحديث عن ارتحشيشتا والهكسوس ونبوخذ نصر و" المير بشير" . لكن يا احمد التاريخ الذي كان اللبناني اللبناني الحقيقي - الى اي طائفة انتمى- يود تعلمه ذلك الذي يعرف فيه كم مرة ماتت اتفاقية الهدنة الموقعة بين لبنان واسرائيل في العام 1949 … كم مرة قتلتها اسرئيل , وقبل ان تخرج علينا كل النظريات التي تقول بالذهاب الى السلام " لان اسرائيل قوة عظمى في المنطقة لايمكن لاي قوة عربية هزيمتها" .
ياولدي
ذهب العرب الى السلام بالمفرق , في كل مرة كان احدهم ينفذ من ناحية ما ويصل الى اسرائيل ويجري خلف الابواب الصفقات … والشعبين اللبناني والفلسطيني يتلقون الصفعات وينامون على وسادة البلاغات الصادرة من الاذاعات …وكل مرة نتهجر ونلتحف العراء بانتظار الحكمة العربية … التي لم تأت ابدا … والى وطننا لن تأتي … فأخذنا مصيرنا بيدنا.
ياولدي
عندما تدخل الى الجنوب اللبناني … الى عمق الجنوب حيث انت الان تنسى انك في لبنان انت في مكان خارج لبنان , الاحاديث الطائفية تصبح نكتة سمجة , هنا في هذه المنطقة لا وقت للسؤال عن مذهب هذا وطائفة ذاك , هنا الحرمان يجمع كل الطوائف و" الانماء المتوازن الذي يتحدثون عنه في العاصمة والداخل يصبح هنا حرمانا متوازنا … لان القذيفة الاسرائيلية لا تفرق بين مسلم ومسيحي , ولا تفرق بين شيعي ودرزي او سني , او كاثوليكي وارذثوكسي او بروتستناتي , عندما تنفجر القذيفة تجرح الجميع ويمتزج الدم , وتهدم بيوت الجميع , هذه البيوت بنيت بمشاركة من ابناء الطوائف والمذاهب كافة . حتى العمالة لاسرائيل كانت من اشخاص ينتمون الى كل الطوائف ايضا .
في هذه المنطقة عندما يتحدثون عن المقاومة يعرفون عن ماذا يتحدثون , وفي هذه المنطقة عندما يموت احدهم تقام مجالس العزاء في كل البيوت .
ياولدي
هذا الجنوبي الذي قام ليتدرب على حمل البندقية حمل صليبه ومشى طريق الجلجلة منذ ان وجدت اسرائيل , ينام على قصف ويستيقظ على قصف وبينهما هناك من يدعوه الى ضبط النفس … الى متى يبقى يضبط نفسه وقد اخذت نار العدوان منه كل مأخذ … اخذت الارض واخذت الزرع وسرقت كل الفرح … وهاهي تريد ان تأخذ منا الاحلام … الا يحق للجنوبي ان يقول كلمته و لا يمشي … يقولها ويبقى في ارضه … يقول " اذا عدتم … عدنا " الم يقل الجنود الاسرائيليون المندحرون عام 2000 " يا امي خرجنا من لبنان " ؟ والان يكتب الصحافي الاسرائيلي الوف بن " يا امي عدنا الى لبنان " …
ياولدي انت واقرانك الان تقولون لالوف بن " نعم عدتم الى الارض التي سيرى فيها جنودكم نجوم الظهر … انكم عدتم الى المحرقة"
يا احمد
لقد مل اللبناني هذه المناكفة التي كلما " دق الكوز بالجرة … بتفش اسرائيل خلقها بلبنان " ولبنان " فش خلقه باسرائيل في العام 1985 و العام 2000 وسيفش خلقه في العام 2006 ليفقأ الدمل الذي ارقه منذ العام 1948 وحتى اليوم .
ياولدي
الجنوبي تدرب على حمل البندقية وعلى حمل المعول وعلى اصول الضيافة مع الضيوف الكرام .
الجنوب ارض الشعراء والعشاق والثوار والجنوبي تدرب ايضا على تلقين الدروس للئام فان خسر لبنان موسما سياحيا يكسب غيره لكن ماتخسره اسرائيل لن تسترده ابدا .
لكل هذا ياولدي ادعو ان تعود سالما الى مستقبل الوطن ابتسامة ونظرة اصرار…
ياولدي … تعود … سنبقى ننتظر … ننتظر … لانك قريبا جدا تعود وسويا سنقطف التين والعنب ونلعب … ونضحك على من يجب ان نضحك منهم .
لا تقلق … ستعود ونغني معا " انا احمد العربي
فليأتي الحصار
جسدي النار
فليأتي الحصار"
Hasana961@ yahoo.com
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























