لبننة العراق وعرقنة لبنان..!
كتبهاhasanaa1 ، في 15 تموز 2007 الساعة: 16:48 م
لبننة العراق وعرقنة لبنان..!
حسن احمد عبدالله
حين يريد ان يشاغبني يسألني ابني (12 عاما) : كيف نستطيع التخلص من ذكرياتك المؤلمة التي تسردها علينا بين الحين والاخر؟
مما لاشك فيه ان هذا الطفل الذي لم يختبر ويلات الحرب اللبنانية طوال 11 عاما من عمره ، عاش تجربة مريرة في صيف العام الماضي حين اندلعت الحرب الاسرائيلية على لبنان وكان برفقة جدته لامه في القرية التي لم تكن تبعد عن بنت جبيل اكثر من 500 متر ، وحوصر في منزل قديم لعشرة ايام مع عدد من النساء العجائز ، واضطر للاكل بيديه لان الخبز نفد في اليوم الثاني للحصار الذي ضربته القوات الاسرائيلية على قرية عيناثا .
وبقي عشرة ايام من دون استحمام ، اضافة الى انه في اليوم السابع اضطر هو و جدته الى اكل الاعشاب النابتة في حديقة المنزل.
هذا الطفل لم ينم طوال اربعة ايام لان اصوات انفجارات القنابل التي كان يقصف بها الجيش الاسرائيلي القرية لم يكن يفسح في المجال لا للنوم او حتى الاسترخاء قليلا.
هذا الصبي ، حين سألني قبل ايام السؤال ذاته ، اجبت : انت في العام الماضي وفي مثل هذه الايام كنت تعيش واحدة من تجارب العدوان على لبنان ، وانا حين اندلعت الحرب اللبنانية قبل اكثر من ثلاثين عاما كنت في الرابعة عشر من العمر، ماذا تحمل في ذاكرتك الان عن الذي عشته انت العام الماضي؟
تذكرتك سؤال ابني والحوار الذي دار بيننا حين قرأت خبرا لوكالة الصحافة الفرنسية عما ستنشره مجلة "الامة" (ذا نيشن ) الاميركية لروايات جنود اميركيين خدموا في العراق عن الجانب الوحشي لما عايشوه.
لا فرق كبير بين اي جندي و اخر حين تكون المسألة تتعلق بـ"الاحتلال" والوجود في بلد اخر غير بلد هذا الجندي، فالقتال في ارض غير الوطن يكون دائما مختلفا، يكون خارج القانون، وخارج الاعراف ، ويكون ضد الانسانية .
الجندي الاميركي الموجود في العراق له احلامه في وطنه ، بين اهله، مع الناس الذين يعرفهم، له اماله التي يسعى الى تحقيقها بعيدا من الحرب ، وبعيدا من الكمائن والافخاخ. ليس لهذا الجندي الاتي من خلف البحار اي امال في بلد مثل العراق.
للحكومة الاميركية مصالحها في العراق، واهدافها في المنطقة العربية، ولها ايضا حساباتها في انحاء العالم، وتدافع عن هذه المصالح عبر العديد من الوسائل والطرق ومنها الحرب، لكن السؤال: هل الجندي الاميركي مؤمن بهذه الاهداف والمصالح؟
اذا كان الجندي مؤمنا بهذه الاهداف لما تحدث عن الجانب الوحشي للحرب.
الجندي جيف انغلهارات لم يعرف الناس الذين قاتلهم ، ولم يكن في يوم من الايام على خصام مع اي واحد منهم، هو كان يعيش في بلاده في الولايات المتحدة الاميركية بعيدا من كل عذابات الضمير .
الناس في العراق لم يكونوا مسؤولين عن افعال النظام الدموي السابق الذي عاث في الارض فسادا ، لم يكن الاطفال والنساء في العراق يؤمنون بما يفعله صدام حسين، لقد ارتكب بدمائهم الجرائم كلها بدءا من التصفيات الجسدية لمعارضيه ومرورا بالحرب العراقية - الايرانية ، وصولا الى غزوه الكويت، هذه الجريمة التي ارتكبها ليس بحق الكويت وحدها ، بل بحق العرب اجمعين.
هؤلاء الذين يموتون في العراق من الطوائف كافة ، ومن الجنسيات كافة ،هم ابرياء اذا نظرنا الى الفاعل الحقيقي للجريمة ، اذا نظرنا الى ما اقترفت ايدي صدام حسين وما تقترفه الان ايدي قوات الاحتلال الاميركي ، وما تقترفه ايدي الارهابيين الذين يحصدون الابرياء ومن كل الطوائف والاديان.
الارهاب الان في العراق فيروس يهدد المنطقة العربية كلها، يهدد الطوائف والاديان كلها.
الارهاب الان في العراق كارثة على الانسانية لن تظهر اثارها في الوقت الحالي ، في المستقبل ستظهر اثار هذا الارهاب الاعمى، حين تصبح سكين المجازر الطائفية جوالة في كل ارجاء العالم العربي ، وحين يزداد القتلة وحشية ، وحين تصبح احلام الناس محصورة في شمس تشرق عليهم في الغد وهم ما زالوا على قيد الحياة.
ربما ابني سيعيش تجربة مريرة اخرى في لبنان، وفي جنوب لبنان حين تعتدي القوات الاسرائيلية مرة اخرى على بلادي، حينها لن يسألني لماذ لا تنسى ذكريات الحرب المؤلمة ؟ حينها سيقول لي : ليس امامنا الا المقاومة الى ان يزول الاحتلال الاسرائيلي عن ارضنا.
ثمة اعتقاد ان الخلاص العراقي يكون بالفيديرالية، واعتقاد اخر ان الخلاص يكون بامارة اسلامية، وثالث يقول بالابقاء على الهيمنة الاميركية الى ان يقضي الله امرا كان مفعولا، ورابع وخامس وسادس . ومع بدايات الحرب في العام 2003 تحدث العراقيون كثيرا عن عدم لبننة العراق، والان يتحدث اللبنانيون عن عدم عرقنة لبنان، وفي البلدين الاحتلال موجود ، والفقر ، والانقسام، والسيارات المفخخة ، و الاغتيالات. وحده الشعور بالحاجة الى وطن يحتضن الجميع ليس موجودا.
وحده التفكير بالدولة الوطنية غير الخاضعة للاملاءات من الخارج ليس موجودا.
هل فكرنا بالوطن يوما ما؟ اليس من المهم ان نستمع جيدا الى شهادات الجنود الاميركيين عن فظائع الحرب، ونوظفها في مصلحتنا؟
اسئلة كثيرة تبقى دائما من دون اجابات.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























