البطالة تدفع الشبيبة
كتبهاhasanaa1 ، في 24 أيار 2006 الساعة: 02:08 ص
البطالة تدفع الشبيبة الى الغرق في الدراسة … والبحث عن منفذ للهجرة
بين سندان المفاعل النووي ومطرقة احلام حسن حاجي
ايران تغفو على قيظ … وتصحو على ثلج
حسن احمد عبدالله:
المحافظون … الاصلاحيون … المفاعل النووي … المقاطعة الاقتصادية والعقوبات المتوقعة … الى غير ذلك مما تسمعه عن ايران من الخارج يكاد يكون الى حد ما غير ماهو موضع اهتمام الشعب الايراني في الداخل . فطهران التي هي الان محط انظار العالم تعيش حاتها العادية بعيدا عن الضوضاء التي تعج بها وسائل الاعلام في مختلف انحاء العالم .
تكاد تكون طهران بالنسبة الى شريحة كبرى من القاطنين فيها مدينة خارج العالم , فالشباب لايهمهم من امر الضجيج المثار حول المخاوف من امتلاك دولتهم سلاحا نوويا الا مسألة واحدة وهي الحق في ان يكون لديهم سلاحا " يدافعون به عن انفسهم " هذا مايقوله مهدي الذي سرعان مايعود الى مذياع السيارة ليرفع صوته قليلا وهو يستمع الى الاغاني الصاخبة اسأل " هل هذه الاغاني تذاع من محطات الاذاهة المحلية ؟" يجيب : لا انها مسجلة على اشرطة وتباع في الاسواق.
نسبة كبيرة من الشعب الايراني البالغ تعداده 69 مليون نسمة هم من الشباب اذ تصل هذه النسبة الى نحو 60 في المئة , وهؤلاء غالبيتهم ولدت في ظل الحكم الثوري , وغالبيتهم اخذتها موجة انتشار المحطات التلفزيونية الفضائية التي تبث كل ما هو ممنوع بثه في محطات التلفزيون الايرانية .
برغم ان جميع المرشحين للانتخابات في ايران كانوا دائما يركزون في برامجهم على هذه الفئة الا ان الصدمة كانت بالنسبة للشبيبة الايرانية في عدم تحقيق اي من الوعود التي اطلقت في الحملات الانتخابية التي شهدتها ايران في السنوات العشر الماضية ولذك يقول احد طلاب الجامعة :" لم يتحقق في عهد الرئيس خاتمي ماكان يحلم به الشباب الذين اقترعوا لصالح السيد خاتمي ولهذا لم تشارك الغالبية منهم في الانتخابات الاخيرة التي فاز فيها الرئيس محمود احمدي نجاد ".
ويضيف :" هذا الامر ادى الى ان يكسب المحافظون الانتخابات لانهم شاركوا بكثافة في ظل غياب القوة الشابة التي كانت تؤيد تيار الاصلاح في البلاد ".
ويصر على عدم اعلان اسمه ويردف قائلا:" كل مانريده ان يعرف الشباب كيف هو مستقبلهم فالوعود لم تعد تطعم الناس خبزا ".
التقليد للموضة الحديثة جزء من التمرد الذي يعيشه الشباب في كل المجتمعات , وفي ايران امر ذاته ينطبق على الشباب , فالشعر الطويل يكاد يكون الصفة الغالبة عند الشباب , والثياب المزركشة الالوان تطغى على كل ماعادها . صورة الشاب الايراني المتجهم المنشغل بالمسألة الثورية والتعبئة والايديولوجيا ليست هي الطاغية , هؤلاء ليسوا كثر في الشارع , حتى التشدد الذي اعلن عنه اخيرا في مايتعلق بالحجاب ليس اكثر من مادة اعلامية اثيرت في وقت ما لكنها لم تصل الى حد التنفيذ الحازم , ففي شارع ولي عصر , وهو من اشهر شوارع طهران تلمح بعض النساء اللواتي يسرن في الشارع وقد سقط الحجاب من على رؤوسهن ولا احد يحرك ساكنا , لابل احيانا تمر احداهن من جانب الشرطي من دون ان يبادر الى الطلب منها لتعديل حجابها . بناطيل الجينز الموضة الاكثر انتشار ا بين الشبيبة , فغالبية الفتيات ترتدين بنطال جينز وقميصا متوسطة الطول وتلف رأسها بمنديل لايغطي الا القليل من شعرها .
حين زرت طهران قبل ست سنوات كانت هذه المدينة ماتزال تعبر عن الثورة اكثر مما هي عليه الان , نسبة ارتداء "التشادور" كانت اعلى من الان , والامر الوحيد الذي تسمعه منذ ست سنوات حتى الان هو البحث عن فرصة عمل في الخارج , الهجرة هاجس غالبية الشباب , فالمستقبل بكل مصاعبه هاجس الجميع , انهم ككل الشباب في العالم الثالث , يبحثون عن المسكن والزوجة وفرصة العمل والدخل المناسب …. والحرية التي يتوقون اليها …. انها تلك الحرية التي يراها الشاب والفتاة في حرية اللبس وحرية الاستماع الى الاغاني وحرية مشاهدة مايريد وحرية الحديث بعيدا عن اي محاذير.
نسبة البطالة عالية بين الشباب في ايران برغم اعتماد الموازنة العامة بنسبة ثمانين في المئة منها على النفط وبرغم الارتفاع الهائل بسعر برميل النفط على مستوى العالم الا ايران تبقى من الدول التي تعاني من ضيق فرص العمل الناجمة من عدم وجود استثمارات تلبي حاجة السوق , ويلعب الحصار المفروض على هذه الدولة منذ العام 1979 دورا كبيرا في كبح المشاريع التي تكاد تكون غالبيتها خدمية محدودة لاتشكل سوقا حقيقية للعمل , حددت الدراسات الرسمية خط الفقر في ايران بحدود 220 الف تومان كدخل شهري (مايعادل 230دولارا اميركيا ) وهذا يعني ان العائلة النوذجية (المؤلفة من خمسة افراد) تعيش في حدود الكفاف وتتخلى عن الكثير من المتطلبات العادية .
مع ضيق رقعة فرص العمل هناك نسبة كبيرة من خريجي الجامعات لايجدون وظائف ما يدفعهم ذلك احيانا الى اكمال دراساتهم العليا ودراسة تخصصات جديدة لاشغال وقت فراغهم , زهراء واحدة من اللواتي تخرجن من الجامعة قبل ثمانية اعوام من كلية الحقوق والعلوم السياسية وهي الان تدرس الادب الانكليزي بعد ان حازت اجازة جامعية بالحقوق اضافة الى اجازتها بالعلوم السياسية .
زهراء تقول :" ماذا افعل اذا جلست في البيت ؟… لقد تخرجت منذ سنوات ولم اجد عملا فأضطررت الى دراسة الحقوق وتخرجت قبل سنتين ولم اجد عملا والان سجلت لدراسة الادب الانكليزي , اما زميلتها التي اسمت نفسها منور تقول :" انا الان على اعتاب مناقشة اطروحة دكتوراه عن ادب اميركا اللاتينية في عهد الفورة الثورية … اخترت بعض النماذج من الادباء في تلك المنطقة من العالم وعكفت على دراستهم … لكن من يهتم بهذا النوع من الدراسات ؟".
في المقابل هناك اقبال كبير على تعلم اللغة العربية التي هي اللغة الرسمية الثانية في البلاد طبقا الى نص دستوري , في هذا الشأن يقول رئيس المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الاسلامية اية الله التسخيري :" ان الشاه المقبور عمل على ايجاد ثغرة بين الفرس والعرب واطلق حملة اسماها حملة تطهير اللغة الفارسية من العوالق العربية , لكن الثورة الاسلامية جعلت اللغة العربية التي هي لغة القرآن الكريم اللغة الرسمية الثانية في الدستور , وبالتالي تعلم اللغة العربية من اجل فهم اعمق للقرآن , ومن اجل زيادة اواصر القربى بيننا وبين الشعوب العربية التي نجتمع معها تحت راية الاسلام ".
وبالعودة الى معاناة عدم الحصول على الوظيفة المناسبة نجد انها تطال نسبة كبيرة من الشباب اذ هم في الوقت عينه يتطلعون الى غد افضل … كيف يكون هذا الغد ؟ لايريد بعضهم الخوض فيه الان فقط يهمه الحصول على ما يعتبره من ضروريات الرفاهية والدلالة على المكانة المرموقة في المجتمع وهذه الضروريات هي الهاتف النقال السيارة والفتاة المناسبة والملابس العصرية اضافة الى المال الذي يمكنه من ممارسة حياته كشاب لكن في المقابل هناك الصورة الاخرى , الصورة الموجودة في كل المجتمعات التي تعاني من ازمات مالية وهي العيش على الحلم وممارسة الحياة بماهو متاح ,فهذا حسين حاجي يجلس الى جانب صديقته في الحديقة العامة وحين يرمي مرافقي عليه السلام لايكاد يهتم كثيرا لنا . هو غارق في حديث هادىء من حركات يديه وتعابير وجهه تعرف ان الحديث فيه من الحميمية ما يلبي حاجة الشاب في مثل هذا العمر الى التعبير عن نفسه.
" دوربند" منطقة مرتفعة في شمال طهران تكثر فيها المتنزهات والمطاعم وهدير ماء النهر يضفي على المكان شيئا من الجمال والرومانسية , هنا يمكن ان تستعيد بعض الاساطير الفارسية القديمة , تلك الحكايات عن العشق والجمال والطبيعة الخلابة , ويقول علي :" في فصل الشتاء تتحول المنطقة الى مايشبه مدارج التزلج فانت تستطيع ايقاف سيارتك في اسفل المنطقة وتسير على الثلج الى الاعلى , وفي المنطقة غير المأهولة من "دوربند" يكون التزلج الرياضة الوحيدة … انها متعة ".
ربما ليس في امكان زائر هذه المدينة التي يصل تعداد سكانها الى نحو 12 مليون نسمة ان يلم بكل تفاصيل المدينة في شهر , فكيف اذا كانت الزيارة لثلاثة ايام مزدحمة بالمواعيد والنشاطات الرسمية ؟
يقول احد السياسيين الذي رفض اعلان اسمه منتقدا الحكم الجديد في ايران :" لاندري الى اين يأخذون الشعب … نتمنى ان يعودوا الى رشدهم … ان البلاد تعاني من ضائقة اقتصادية كبيرة واذا استمرت الحال على هذا النحو ربما تفقد الثورة كل المكاسب التي تحققت "؟
اسأل : هل انت في هذا القول تتحدث عما يثار بشأن المفاعل النووي واتجاه ايران الى امتلاك السلاح النووي؟
يجيب : اولا مشروع الطاقة النووية ليس جديدا ومن حقنا ان تكون لدينا طاقة رخيصة تساعد في التمنية , كما ان الحديث عن السعي الايراني الى امتلاك سلاح نووي ليس دقيقا وهو يدخل في اطار الحملة التي تشنها قوى الاستكبار العالمي على الران منذ انتصار الثورة … نحن نسعى الى طاقة تساعدنا في التمنية ولسنا نسعى الى سلاح نووي … ولنفترض ان ايران امتلكت سلاحا نوويا اليس هذا من حقها كما حق لكل دول العالم "؟
ويضيف محدثي :" قبل فترة وجيزة اثيرت مسألة مطار الامام الخميني واعلنت بعض الدول مقاطعتها لهذا المطار لانهكما يقولون : ليس مستوفيا لشروط الامان العالمية . وفي الواقع مااثير عن المطار لايعدو كونه بحثا في اثارة المشاكل مع ايران واستدراجها الى الازمات وكل التقارير التي صدرت من الخبراء تؤكد ان هذا المطار ينسجم تماما مع المعايير الدولية للامان وهو من اكبر المطارات في المنطقة … لكن في التعاطي الغربي مع ايران عليك دائما الاخذ في الاعتبار الموقف السائد منذ سقوط نظام الشاه وانتصار الثورة … لقد خاضت ايران حربا لثمان سنوات قبل ان يستقر الحكم الثوري , وبرغم ذلك استمرت عملية البناء ضمن الامكانيات المتاحة , لكن ماقصدته من العودة الى الرشد هو الاهتمام اكثر بالمسائل الداخلية فالشباب هم النسبة الكبيرة من الشعب وهؤلاء لايمكن لهم الصبر كثيرا على الحرمان في وقت يرون فيه العالم يعج بالثورات العلمية والتكنولوجية ولم تعد الحواجز تنفع في منع تلقي المعلومات وهؤلاء يريدون الان الاطمئنان الى مستقبلهم وايجاد الوظائف التي يتمنون والعيش بعيدا عن المنغصات … كل هذا لا يمكن ان تحقق اذا لم تبادر الدولة الى ايجاد صيغة ما لفك الحصار عن ايران وتعزيز حركة الاستثمار في البلاد وعدم احتكار الاستثمارات بفئة معينة ".
ويضيف :" الفساد سمة عالمية في هذه المرحلة لكن هناك درجات لايمكن للمرء قبول الفساد فيها فمثلا احد المستثمرين يستغل احد الانهار في ري مزروعاته من دون اي مساءلة ولايمكن منعه من ذلك لانه يشكل قوة سياسية كبيرة في البلاد … هذه نموذج من النماذج التي يمكن الحديث عنها والشعب يعرف … فعندما نقول العودة الى الرشد نقصد في ذلك الاهتمام بقضايا الشعب وعدم رهن كل الامور بقضية واحدة ففي نهاية الامر ايران دولة عريقة وليست المرة الاولى التي تواجه فيها الازمات لكن ليس من المقبول ان تكون هناك فئة من الناس تحتكر كل شيء لنفسها وتمنعه عن الشعب".
ويقول السياسي :" المسألة النووية ليست هي المقصود من كلامي … اقول لك باختصار نحن في ايران متحدون في الرأي في ما يتعلق بهذا المشروع واتصور لايوجد اي ايراني ضد ان نمتلك الطاقة النووية ".
البانوراما الايرانية ليست مختلفة كثيرا عن اي بانوراما في الدول النامية , وهي دائما موحية بالكثير من التناقضات التي تجعل المرء يتوقف كثيرا عند الفلسفة التي تبنى عليها العلاقة بين النظام والشعب .بين الايديولوجيا الثورية وبين الحاجات اليومية للشعب , بين المواطن المنشغل بهمومه اليومية وبين الخطاب التعبوي الرسمي الذي يحاول ان يجد لغة خاصة في خطابه مع الخارج الذي في غالبيته ينظر الى هذه الدولة نظرة ريبة وشك ويطالبها دائما بتقديم التنازلات السياسية.
وسيلة النقل الاكثر انتشارا في طهران هي الدراجات النارية , وهي تكاد تكون وسيلة نقل عائلية , لكن التطور الابرز تلك السيارات الصغيرة المجمعة في ايران اذ هي منتشرة بكثافة واكثر مما كانت عليه في العام 1999 اثناء زياراتنا الاولى الى ايران , سيارة بيكان ( وتعني بالعربية السهم) لم تعد هي السايرة الاكثر انتشارا في شوارع طهران اذ حلت مكانها السيارات اليابانية والفرنسية الصغيرة .
برغم مشاريع توسعة الشوارع وبناء الجسور وحفر الانفاق تعاني طهران من ازدحام كبير للسير ولذلك يحتاج المرء الى نحو الساعة من اجل الوصول الى مقصده , المهندس سجاد يقول :" المتوقع في غضون السنوات الثلاث المقبلة ان تقل نسبة ازدحام السير بعد ان يتنهي العمل في شبكة من الجسور والانفاق والشوارع الجديدة في طهران ".
ايران الثورة والدولة والاحلام التي تشغل مخيلة الشباب .
ايران الازمات السياسية والصراع بين المحافظين والليبراليين في حدود ماتسمح به طبيعة النظام السياسي , وايران المفاعل النووي شاغل الناس هي في نهاية الامر البلاد التي تكثر فيها المفاجآت الى حد لا يستطيع الواحد عنده الركون الى امر , اذ تماما كما هي الحال مع المطر الذي يهطل فجأة في مثل هذه الايام في طهران ويكلل الثلج قمم الجبال المشرفة على العاصمة الايرانية في وقت تكون درجة الحرارة عند معدل 30 درجة مئوية نقول تماما هذه الحال تنطبق على الوضع السياسي وعلى حال الصحف العديدة الني تظهر على صفحاتها تفاصيل الصراع السياسي الداخلي , اذ لايكاد يمر شهر الا وتسمع ان هذه الصحيفة اغلقت بقرار رسمي او اوقف ذلك الصحافي او صودر هذا العدد او ذاك من صحيفة او مجلة ما .
في المحصلة ايران تبقى هي ايران الامبراطورية الفارسية في السابق والثورة الاسلامية في العصر الراهن , ويبقي حسن حاجي وحبيبته يحلمان في الحديقة العامة بغد افضل وبيت يترجمان فيه هذه الاحلام الى واقع … لكن السؤال : هل همروجة المفاعل النووي الايراني المثارة في العالم وهل الدعوة الايرانية الى تحويل مبنى السفرة الاميركية في طهرات التي تحولت بعد الثورة الى كلية عسكرية ستجعل الولايات المتحدة ومعها بعض دول العالم حسين وحبيبته يحققان حلمهما ؟
هل هذا ماكان يرمي اليه السياسي الايراني حين تحدث عن العودة الى الرشد؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























