العرب وعادة النفخ في القرب
كتبهاhasanaa1 ، في 14 آذار 2006 الساعة: 03:38 ص
العرب وعادة النفخ بالقرب المقطوعة
حسن أحمد عبدالله
النفخ في القرب المقطوعة بات عادة عربية تتأصل في السلوك يوما بعد يوم، فالشعوب تنفخ قربة المطالبة، والحكومات تنفخ قربة الممانعة، والعالِم ينفخ في قربة التنبيه، والمعلم ينفخ في قربة التلويح بمخاطر ازدياد معدلات الأمية، وتقرير التنمية العربية الصادر قبل أسبوع في عمان نفخ في كل القرب، لكن لأنها مقطوعة لن يسمع من يجب أن يسمع الصوت، وحتى الأصوات الصارخة بكل أشكال التعبير عن الخلل والمواجع ستبقى ضائعة في الفلوات العربية المتسعة إلى آخر حدود النسيان.
تقرير التنمية العربية الثاني الصادر قبل أسبوع قوبل عربيا بشيء من الاهمال وكأن المسألة لا تعني العالم العربي، وكأن الحديث عن عالم عربي موجود في كوكب الأرض في مجرة موجودة في غير الكون الذي نحن فيه، والتقرير أعلن عنه من أحد فنادق العاصمة الأردنية عمان بدلا من >أن يعلن من مقر جامعة الدول العربية وبحضور مندوبي الدول العربية كافة<، هذا ما قاله الأمير طلال بن عبدالعزيز في لقاء أجرته معه قناة >الجزيرة< قبل أيام، ان الأمير طلال بن عبدالعزيز وضع الاصبع على الجرح في التقاعس العربي عن كل شيء له علاقة بصناعة المستقبل.
فتقرير التنمية هذا يجب أن تنظر اليه الحكومات العربية كافة بعين الاهتمام وأكثر بكثير من أي قضية أخرى، لأن ما فيه يوفر الكثير من الجهد والوقت في استكشاف مكامن الخلل في آلية العمل الرسمي والشعبي على حد سواء، ويؤدي فائدة عظيمة للدول في برامجها التنموية، لكن الواضح ان العرب لا يريدون المستقبل ولا حتى الحاضر، وحتى تغنيهم بالماضي فيه الكثير من التمويه لاخفاء مكامن التقصير.
في التقرير السنوي لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية للعام 3002 بلغ حجم الديون الخارجية العربية 453 مليار دولار في العام 2002، وانفقت هذه الدول أكثر من أربعين مليار دولار على النواحي العسكرية في العام 2002، وغالبية الديون العربية هي ديون متراكمة من الصفقات العسكرية، ولم تصرف هذه الدول على التنمية المبالغ عينها التي صرفتها على العسكر، لا بل ان الانفاق على التربية انخفض في العقد الأخير إلى اكثرمن الثلث مما كان عليه في الثمانينات من القرن الماضي ووصل الى درجات متدنية، ناهيك عن تراجع الانفاق على كل النواحي المتعلقة في تطوير البنى التحتية بما يتناسب مع زيادة السكان.
وزادت معدلات البطالة حتى في الدول العربية التي تعتبر غنية، كما زادت معدلات الهجرة العربية وتراجعت هوامش حرية الصحافة والإعلام والبحث العلمي بشكل سيئ، وظهرت هذه الدول كأنها أصبحت في سن الشيخوخة تتآكلها أمراض الفساد والهدر والمحسوبية، رغم ان التحديات التي تواجهها تفرض عليها أن تكون في أعلى درجات الاستعداد والحيوية، الا ان ما حدث هو العكس، فبدلا من ان تكون معدلات الانتاج العربية، وفي كل القطاعات، في أعلى معدلاتها لأن نسبة الشباب في المجتمعات العربية تعتبر من أعلى المعدلات في العالم، فإن معدلات الإنتاج انخفضت عما كانت عليه في الستينات والسبعينات من القرن الماضي. وتراجع دخل الفرد بشكل مخيف.
إن المشهد العربي الراهن فيه من السوداوية ما يمكن أن يؤدي إلى الخراب على كل المستويات، والدول العربية إلى الآن هي خارج حركة العصر، وهي لم تستطع أن تنتج أي أداة قادرة على المواجهة من خلالها، ونتيجة الحال المزرية التي ذكرنا بعض ملامحها في ما سبق لم نستطع مواجهة الهجمة الثقافية التي تشن ضدنا، حتى اننا انصعنا لأهواء بعض الدوائر المشبوهة في العالم وبدأنا البحث عن بدائل ثقافية تتناسب مع ما تطرحه تلك الدوائر من دون النظر بتمعن في مكوناتنا الثقافية وقدرتها على المواجهة ومن دون الاستفادة من التعددية في ثقافتنا في مواجهة هجمة تسييد اللون الواحد في تلك الثقافة.
إن العالم العربي المفترق في كل شيء عن بعضه البعض يلتقي فقط في النفخ في القرب المقطوعة، وما دون ذلك يفترق العرب في كل شيء.
إذا كانت الدول العربية خافت من فضيحتها في تقرير التنمية فهي لم تخف من فضيحتها في الانصياع لمطالب بعض الدوائر المشبوهة في عدد من دول العالم، تلك المطالب التي انحصرت في أمر أساسي وهو التكوين الثقافي واطلق على ذلك تعديل المناهج التربوية، وقبل تعديل المناهج علينا أن نبدأ في وضع خطط للنهوض بالتعليم وخفض معدلات الامية، وساعتذاك يمكن أن نفكر في تعديل المناهج التعليمية.
وفي هذا الشأن علينا أن ننظر بتمعن الى ما ورد في تقرير التنمية، ونبدأ أيضا في إصلاح القرب حتى إذا نفخنا سمع الصوت.
hasana961@yahoo.com
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























