الحاذف… و المحذوف
كتبهاhasanaa1 ، في 25 أغسطس 2009 الساعة: 18:55 م
الحاذف والمحذوف
حسن احمد عبدالله
ان تصبح فجأة خارج النص، اي خارج المحيط الذي انت موجود فعلا فيه، فهذه كارثة لان ذلك يرميك في غيهب العزلة، وفي دوامة الاحتمالات التي لن تنتهي بك الى اي مكان.
عندما تمارس الرقابة دورها على اكمل وجه، الاكمل وجه هذا من منظور الرقيب، فانت حتما خارج النص، خارج الزمان، والمكان ايضا، ما تحاول ان تقوله ليس له اي قيمة لانه ينتهي عند حدود الرقيب،"الفيلتر" الذي يريدك ان تقرأ ما يراه مناسبا، وان تشاهد ما يعتبره مفيدا لك.
في المنظومة الثقافية الحالية لا توجد حرية مطلقة في التلقي، ولا في التعبير، فكل ما يصل اليك مر في شكل او اخر على هذا الرقيب او ذاك، خضع هنا لتعديل، وهناك لاعادة صياغة، وفي محطة ثالثة عدلت المشاهد لتحذف ما يشأ الحاذف، ودائما انت المحذوف، والمحذوف منك … واليك.
عندما تسود بياض الصفحة بالحبر تكون تفرغ بعض ما فيك من فرح او حزن، من غضب او تأييد، لكن الحاذف يختار ان يعيد لك الورقة وفي بعضها بياض، يكون اشبه بالسكين التي تجز من لحمك الحي بعضا مما لا يعجب الحاذف، وعليك ان تقبل ذلك، وان تبحث عن الطرق التي تؤدي بك الى المحافظة على لحمك كاملا، او عمرك كله من الحاذف، وان تمرر المحذوف مرة اخرى على بياض ورقة جديدة، وتتحول المسألة كلها الى ما يشبه التهريب، لكنه التهريب الذي لا يدفعك الى الهاوية مرة واحدة انما تسبقه تحذيرات.
ندعي في العالم العربي اننا نخضع الى اعتى انواع الرقابة، نعم الرقابة عندنا قاسية وغير رحيمة، لكن في المقابل هي رقابة مستوردة، مأخوذة عن المرجعيات التي شكلت وعينا القانوني والثقافي الحديث، وهي في احيان "رقابة مجاملات" لا علاقة لها بأي اعتبارات ثقافية يراها الحاذف مهددة لسلطته، انها تساير هذه السلطة او تلك، تساير السلطات غير الدستورية، سلطات الامر الواقع، الدينية او التقليدية، او القبائلية، كما انها تساير طبيعة العلاقات مع الدول الاخرى، واحيانا كثيرة تساير هذه الجماعة او تلك، وتوظف توظيفا سياسيا مغايرا لما تعلنه هذه الجماعة او تلك.
يدور نقاش الان في المانيا مثلا بشأن اعادة نشر كتاب هتلر"كفاحي"، واذا كان سيؤدي الى انبعاث النازية من جديد، وزيادة رقعة معاداة السامية؟ واستنادا الى تقرير نشرته "ايلاف " من المانيا، فان حقوق النشر للكتاب تنتهي في العام 2015، اضافة الى ان "كفاحي" طبع عشرات المرات بعدد من اللغات منذ الثلاثينات من القرن الماضي، ولم تدخر القوى النازية الالمانية والاوروبية جهدا في نشر الكتاب عبر شبكة "الانترنيت"، اذن الجدل الجاري حاليا في المانيا لن يقدم او يؤخر، لكنه يدل على المدى الذي تعاني منه المنظومة الثقافية المعاصرة من قيود لم يعد لها اي تأثير سوى الارضاء السياسي لهذه الجماعة او تلك، فالقارىء العادي لم يعد يمثل له "كفاحي" اي قيمة ثقافية لان ما شهدته الحرب العالمية الثانية من كوارث شكل قطيعة واضحة لدى شريحة كبيرة في العالم مع تلك الافكار التي تتوالد الان في حاضنة اخرى تحولت فيها الضحية الى جلاد.
معاداة السامية موضة هذا العصر، تلبس الى من يشاء الخياط تفصيلها على مقاسه، ولان الخياط هو ذاته فيمكن ان يكون من هم ساميون ايضا ضحية الخياط. مثلا انا السامي الاصل والثقافة لا افهم كيف اصبح معاديا للسامية، بينما ذلك الاتي الي من خلف المحيطات له الحق ان يدين من يشاء.
لعبة التاريخ ايضا تدخل في اطار اهتمامات الحاذف، الذي يريد تشكيل الماضي كما يرغب الحاضر، وليس كل الحاضر، بل جماعة صغيرة تعرف من اين تؤكل كتف التاريخ ليصبح معاقا عدوانيا بيد واحدة يضرب اين ما يشاء، ويحتمي بالتاريخ الذي يمنعه عنك.
التاريخ عند الحاذف هو ذاك الذي يمنحه القوة في ان يكون الوصي عليك، او يحمي وصاية من يريدون ان يجعلوك قاصرا، خذ مثلا حين يمنعونك من الزواج ممن تحب لانهم يرون ان حبك يخالف سلطتهم، هي في الواقع سلطة منحوها لانفسهم، وشيدوا اسوارها حولك رغما عنك.
في لبنان مثلا حيث رقعة من الارض تبلغ مساحتها 10452 كيلومترا مربعا تزدحم 18 طائفة، ويتجاور الحب والكراهية بين الطوائف، تؤدي السلطات الدينية دور الوصي على السلطة المتعاقد عليها الشعب، فانت لن تكون لبنانيا مثلا اذا لم تمر في عدد من المصافي عبرها تتأكد لبنانيتك، تبدأ بمصفاة المنطقة وتنتهي بمصفاة الطائفة، وحين تصبح مواطنا كامل الولاء عليك ان تتحول الى جندي للدفاع عن سلطة الوصاية الطائفية التي جعلت منك قاصرا شئت ام ابيت، واذا اردت ان تحب عليك ان تبحث عن امرأة من طائفتك لتحبها، او هي تبحث عن رجل من طائفتها ليحبها، ماذا اذا خرجتما على سلطة الوصاية؟
الخارجون على سلطة الوصاية الدينية يصبحون خارج لبنانيتهم، يصبحون اغرابا حتى على اسرهم، عليك ان تصبح قبرصي الولاء او ما شئت من المواطنين في دولة اخرى، لساعات، فيها تنزع عنك عباءة الوصاية الدينية لتعقد قرانك، وحين تعود الى لبنان عليك ان تدخل من بوابة المصفاة القانونية الى حياتك العادية، لكنك تبقى ناقص اللبنانية.الحاذف هنا لا ينظر اليك بعين الرضا لانك تحاول ان تحذفه هو عبر حذف دروه في تزويجك.
لكنك تصبح بعد قليل من ذلك حاذفا صغيرا في خدمة الحاذف الكبير، وتسترشد بوصيته الدينية حتى تصل الى ما تريد، وعليك ان تقبل بكل الشروط التي يفرضها، بينما هو لا يغض النظر عن خطيئتك حين حذفته لساعات قليلة خارج لبنان.
ليس الحذف من التاريخ او القبيلة وحده الذي يتحكم فينا، فهناك حذف الاوطان عبر حذف الناس من اوطانهم، في العالم كله تتحول الاوطان الى ملاذات امنة للمواطنين الا في فلسطين فالامان في الحذف، اذا قبل الفلسطيني ان يحذف من الوجود، من الوطن، ان يصبح قبيلة شاردة في اربع رياح الارض لكنه يصبح امنا، لن ينغص عليه الحاذف حياته، لكن الحاذف يستند الى التاريخ، وهذا التاريخ حمال اوجه، هو اقرب في تعابير زمننا هذا الى "سيارة اجرة" يستقله من يدفع حتى يصل الى مبتغاه، الحاذف والمحذوف هناك في تلك الارض التي شهدت اول امرأة تعتمر الحجاب على رأسها في تاريخ البشرية يحاول الحاذف ان يستظل بكل شيء من اجل حذف الفلسطيني، يخرجه من ساميته، يدخله في دائرة التوحش المغلقة، يمنع عنه الهواء، يرميه الى العطش، يفعل به ما يريد فالفلسطيني محذوفا، وحتى لا يعود الحاذف الى حاذفه الاول فالاخير يناصره ليبقى في ارضك يحذفك يصادر احلامك وليلك ونهارك، ويتهمك زورا بانك تقرأ "كفاحي" فانت نازي جديد، انت معاد للسامية، انت السامي كيف تكون عدوا للسامية؟ انها معادلة تحتاج الى عباقرة في تحليل المغالطات للتوافق مع العقل، ورغم ذلك ممنوع عليك ان تسأل : كيف اكون عدو نفسي بينما الذي يقتلني ويحذفني يكون حريصا على نفسي وتاريخي وانتمائي اكثر مني؟
في الوقت الذي تتضارب فيه الافكار بين الحاذف والمحذوف يلجأ الحاذف في مكان ما من العالم الى مصالحة المحذوف، كيف يكون ذلك؟ من يفرض على الاخر سننه؟ اليس في العرف التجاري ان الصفقة تتضمن السيء والجيد، انت حين تعقد صفقة ما تقبل بكل ما فيها، لا تشتري البضاعة الجيدة وتترك البضاعة غير الجيدة، والا لن تكون صفقة. وفي الحوار بين اثنين للوصول الى صفقة كل طرف يقدم بعض التنازلات ليتكيف مع الوضع الجديد، وفي بعض الفذلكات السياسية يسمى ذلك "تدوير زوايا"، اي يتحول الشكل الهندسي المعروف الزوايا الى شكل دائري مجهول الزوايا، اي مجهول الاطراف، بمعنى اخر تندمج الزوايا وتصبح نقطة البداية هي نقطة النهاية. كيف يستقيم ذلك؟
اليس الانسان بغريزته يعيش في وسط سلسلة لا تنتهي من التسويات، في الزواج ثمة تسوية، وفي التربية تسوية، وفي العمل تسوية، اذن انت ايها المحذوف اذا لم تقبل بالتسوية التي يحددها الحاذف ستبقى مهددا بسيف مصلت لا تدري متى يهوي عليك، ودائما عليك الحذر من ارتعاشة تعب يد الحاذف… او من ضجره … او من نزواته.
تتميز الحيوانات عن البشر انها اكثر رقيا في السلوك حيال اجناسها، ففي عالم الحيوان لا اغتصاب، يبقى الذكر يراود الانثى عن نفسه مرات ومرات وان لم تخضع له او تقبله يتركها ويمضي الى شأنه، لكن الاغتصاب اختراع بشري بامتياز، وهو ايضا لعبة بين الحاذف (المغتصب) وبين المحذوف( الضحية)، ايضا السرقة اختراع بشري وفيها حاذف ومحذوف، واذا انعمت النظر في لعبة الحاذف والمحذوف لوجدت ان الكثير من السلوك البشري يقوم على هذه اللعبة التي عليك ان تحفظ قواعدها بامتياز او عليك ان تقبل البقاء المحذوف ابدا… تقبل بكل ما يمليه عليك الحاذف… وليس في ارقابة على النص فقط، انها لعبة تبدأ في مكان ما ولا تنتهي الا في مكان اخر، تنتهي على عمق مترين من سطح الارض حين يصبح الواحد منا محذوفا الى الابد.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























