لمراسلة الكاتب

hasana961@yahoo.com

hasanaa1@maktoob.com

نحن والسائق

كتبهاhasanaa1 ، في 11 شباط 2006 الساعة: 04:52 ص

نحن والسائق الأرعن
حسن أحمدعبدالله:
جاء في تقرير التنميةالانسانية للعام 2004، ان نحو «مليارانسان يعانون من الاستبعادالثقافي في العالم»، في حين ان الحديث عن العولمة وهيمنة الثقافة الاحادية يهدد ماتبقى من سكان العالم، وبالتالي سيصبح عدد المستبعدين اكثر من ثلاثة ارباع العالم،لان القوة التي تفرض اساليبها الاقتصادية والسياسية هي في المحصلة فارضة لأساليبهاالثقافية، واذا كانت اللغة وحرية الممارسات الدينية من اهم اساليب التعبير عنالهوية, فان لغة السوق هي التي تفرض ذاتها، وللدلالة على ذلك يقول أحد الاصدقاء: «لقد تعلمت اللغة الفرنسية نحو 14 سنة ولم احتج اليها خارج اسوار المدرسة والجامعة،وتعلمت الانكليزية ستة اشهر وبالممارسة بت اتقنها جيدا، وانا احتاجها كليوم».
الدول التي تستعمر دولا اخرى تفرض لغاتها في مجالات الحياة كافةوتجعلها اللغة الرسمية ويصبح تعلمها مسألة مصيرية بالنسبة للناس، حتى المكافحون مناجل الانعتاق من الاستعمار يتعلمون لغة المستعمر، لا بل تتحول الى لغة الافتخاربالتقدم والتطور من قبل الشعوب الخاضعة للاستعمار، وبالتالي يكون الاستبعاد الثقافيمسألة سهلة جدا، ويكون التخلي عن العادات والتقاليد طوعيا وليس قسريا، ولهذا نجد انالمستعمر يبقى يهيمن على الشعوب والدول التي استعمرها حتى بعد رحيله، لانه عمل علىتطويع الشخصية الوطنية حسب متطلباته هو، وبات ارتباط المستعمر بمستعمره اكثر قوة منذي قبل.
ويعرف التقرير المذكور الحرية الثقافية بـ «الحرية التي ينعم بهاالناس لاختيار هوياتهم، لان يكونوا من يشاءون، والعيش دون استبعاد من خيارات اخرىذات اهمية لهم», والسؤال هل حازت الدول العربية حريتها الثقافية بعد نيلهاالاستقلال عن الدول التي استعمرتها؟, من السذاجة القول اننا اصبحنا احرارا ثقافيابعد الاستقلال، ومن السذاجة اكثر ان نسوق الامثلة للتأكيد على ذلك، لان كل مثالنورده في هذا السياق سيقابله الف دليل ينقضه، وبالتالي نكون كمن يدور في حلقة مفرغةلا يمكننا الخروج منها اذا اخذنا العناد على موقفنا لاننا في ذلك نكون نترك المهملننشغل بالثانوي من الامور.
اننا في العالم العربي نعاني من استبعاد ثقافي حقيقي، فالمنظومةالاقتصادية التي نعمل من خلالها محكومة بارادة الخارج صاحب النفوذ الحقيقي فياقتصادنا من خلال ايكال امرنا المصرفي الى سلسلة المصارف الدولية من دون ايجادقاعدة مصرفية عربية، ومن خلال عدم السعي الجاد الى ايجاد قاعدة تصنيع عربية حقيقية،ومن خلال عدم انشاء منظومة تبادل زراعي حقيقية، ومن خلال عدم العمل على جعل اللغةالعربية لغة التخاطب اليومي بين العرب ككل، ومن الامثلة على ذلك ذاك الرجل اللبنانيالذي اضطر الى التفاهم باللغة الفرنسية مع جاره الجزائري حول بعض القضايا بينهما.
واذا كان تقرير التنمية الانسانية الذي بين ايدينا يتحدث عنالاستبعاد الثقافي القسري والذي تفرضه الانظمة السياسية والاغلبيات على الاقليات فيالعالم، فان الاستبعاد الثقافي الطوعي والمسكوت عنه في هذا التقرير هو الاخطر، لانهذا الاستبعاد يعني التخلي طوعا عن الهوية الوطنية من اجل مسايرة القوة المهيمنةطمعا في التمتع ببعض ما تمنحه هذه القوة لتابعيها.
يقول التقرير: «ينتمي نحو 300 مليون نسمة الى مجموعات السكانالاصليين في العالم، يتكلمون نحو اربعة الاف لغة في اكثر من 70 بلدا»، هؤلاء الـ 300 مليون نسمة يتعرضون الى عملية استبعاد ثقافي متعددة الاشكال والاساليب،فالاجيال الاخيرة من بعض السكان الاصليين في بعض المجتمعات لايختلفون كثيرا عن غيرالاصليين في هذه المجتمعات، لا بل انهم ما عادوا يتكلمون بلغاتهم الاصلية وتحولتهذه اللغات الى لغات متحفية، تماما كالفرعونية والسريانية والارامية التي اصبحت مناللغات المتحفية.
هؤلاء استبعدوا انفسهم ثقافيا طوعا لان اقليتهم لم تعد قادرة علىمقاومة القوة الجديدة المهيمنة، فالهنود الحمر في الولايات المتحدة الاميركيةاصبحوا، ومنذ قرون خارج الحسابات الثقافية الاميركية، لا بل ان الاميركيين من اصولافريقية يعانون ما يشبه الانفصام الثقافي، اذ ان رغبتهم في التمتع الكامل بحقوقهمالمدنية تصطدم دائما بانماط السلوك الموروث منذ عهد العبودية، فالتقرير المذكوريقول ان: «نسبة البطالة بين الاميركيين من اصل افريقي تبلغ ضعفي مثيلتها بينمواطنيهم البيض», وهؤلاء في الاصل اضطروا للتخلي عن ثقافتهم لان العبودية فرضتعليهم الذوبان ثقافيا في المجتمعات الجديدة، وفي الوقت نفسه فرضت عليهم العيش فيحالة من الدونية نسبة لمستعبديهم.
الامر نفسه ينطبق الان على العرب المهاجرين في اوروبا والقارةالاميركية، فهؤلاء يعيشون الان استبعادا ثقافيا مزدوجا- اذا جاز لنا التعبير- الاستبعاد الثقافي الاول ناتج عن خروجهم من مجتمعاتهم واحساسهم بالاقلوية فيالمجتمعات الجديدة، والاستبعاد الثاني الناتج عن طبيعة النظام السياسي الذي يعيشونفي ظله، ففي فرنسا مثلا يقول التقرير: «من اصل 11 عيدا وطنيا ثمة ستة اعياد ذاتجذور دينية، كلها مسيحية، وخمسة غير دينية، رغم ان هناك مسلما واحدا تقريبا بين كل 13 مواطنا فرنسيا», اذن المجتمع يفرض طبيعة النظام السياسي ولان الغالبية من فئةدينية معينة فستكون الاعياد الوطنية المتبناة هي اعياد الاغلبية، وهذا يعنياستبعادا ثقافيا في نهاية المطاف للاقلية التي تعيش في ظل هذا النظام. استنادا الىكل ما تقدم لا يمكننا التفاؤل كثيرا في مستقبلنا العربي اذا لم نعمل من اجل اثباتوجودنا الثقافي، والبدء باصلاح جذري لكل منظومتنا بدءا من اساليبنا الاقتصادية،ووصولا الى تخاطبنا اليومي في ما بيننا، اذ لا يمكننا التباهي دائما بقدسية لغتناالعربية واعتبارها العامل الاساسي في استمرارنا الحضاري، فاذا قارنا بين ما تركهالاجداد من مؤلفات وارث، وبين ما نحن عليه اليوم لوجدنا تبدلا هائلا في لغتناواساليبنا، وحتى في نظرتنا الى مشكلاتنا، وباتت قضية الاتكال على الاخر وترك الامرله مسألة عادية جدا في حياتنا اليومية، ولهذا نحن الان نشبه الى حد بعيد اولئكالذين يستقلون حافلة يقودها رجل ارعن ولا يتحدث لغتهم، لذلك يحاولون بشتى الطرقارضاء نزواته وتعلم لغته للتفاهم معه من اجل ان يصلوا الى المكان المقصود بسلامةهذا اذا اراد السائق ايصالهم ولكن الواضح اننا في العالم العربي اضعنا الوجهة التينقصدها، وتركنا الامر برمته للسائق الارعن الذي ما انفك يتصيد الحفر في الطريقوربما تكون استهوته صرخات الركاب المرتعبين.
HASAN061@YAHOO,COM
 
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر