الساقطون
كتبهاhasanaa1 ، في 11 شباط 2006 الساعة: 04:46 ص
الرأي العام 2004
الساقطون عن سلم الحي الخارج عن الجغرافيا اللبنانية
حسن أحمد عبدالله:
سقطت الحكومة اللبنانية عن سلم الحي المركون خارج الجغرافيا اللبنانية، ومعها سقطت كل المماحكات السياسية بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة في لعبة تمديد ولاية الأول بينما الثاني يطمح الى رئيس مطواع لا يعرقل مشاريعه, ومع سقوط الحكومة سقطت سلسلة طويلة مما اعتبر مسلمات في العقد الأخير، وبخاصة بعد ان تحول الجيش اللبناني الى مظلة حماية للمقاومة التي جلبت انتصارا للبنان الضعيف بأقل الأثمان السياسية، فالجيش الذي اطلق النار بعض جنوده على متظاهرين في حي السلم يوم الخميس الماضي ليس هو الجيش اللبناني الذي اطلق النار عام 1973 على المتظاهرين في النبطية (جنوب لبنان) على اثر تظاهرة لمزارعي التبغ احتجاجا - وقتذاك - على تدني أسعار التبغ وعدم رعاية الدولة اللبنانية لهذا القطاع، وليس هو الجيش الذي اطلق النار في العام نفسه على عمال معمل غندور على اثر تظاهرة مطلبية لهم، ولا هو الجيش الذي اطلق النار والقنابل المسيلة للدموع على المتظاهرين وفي أكثر من تظاهرة مطلبية عام 1974، والذي اطلق النار على تظاهرة صيادي السمك في صيدا في مارس عام 1975.
جيش اليوم خلع البذلة التي ارتداها بين عامي 1975 و1989 حينما كانت مدفعيته تدك الضاحية الجنوبية دون هوادة، انما هو الجيش الذي ظهر في السنوات الأخيرة بمظهر مقاوم يعمل بوحي من الشعارات التي رفعتها، طويلا، الأحزاب والقوى السياسية ذات الثقل السياسي في الضاحية الجنوبية، والقادرة في فترة زمنية قصيرة جدا على حشد أكبر تجمع بشري لها في هذه المنطقة التي لا تتعدى مساحتها الخمسة كيلومترات مربعة، والتي يحتل فيها حي السلم وتوابعه الجغرافية مساحة لا بأس بها.
وهذا الحي الخارج تاريخيا عن الجغرافيا اللبنانية لم تستطع كل المتغيرات التي شهدها لبنان تغييره الى ان جاء بلدوزر مشاريع الرئيس رفيق الحريري ليدخل الحي الى الجغرافيا من سلسلة مشاريع طرق سريعة لا ناقة لقاطني تلك المنطقة فيها ولا حتى اذن جمل، لأن معظم الأبنية بنيت على مشاعات عامة (تعرف في لبنان بالأرض الأميرية)، ولا سندات ملكية لها أو لأبنيتها، وهي خارجة منذ عقود عن مشاريع الكهرباء والماء والطرق والصرف الصحي، وتشكل الخاصرة الأمنية الرخوة لبيروت، تماما كما هي الحال مع المناطق الشعبية المماثلة لها في ضاحية بيروت الشرقية، وكأن التركيبة اللبنانية تتناظر في كل شيء بدءا من المحاصصة السياسية وانتهاء بمحاصصة الفقر والمساكن العشوائية, ولذلك ضم حي السلم تنوعا اجتماعيا لا يماثله الا التنوع الاجتماعي في المناطق المماثلة له في الضاحية الشرقية، ففيه يسكن أكثر الناس فقرا وأشدهم ثراء (الأثرياء من تجارة الممنوعات) وفيه نسبة كبيرة من الذين شاركوا في اعمال المقاومة ضد المحتل ومنذ بدايات المقاومة، كما ان بعض الخارجين عن القانون يلوذون بعشوائيته هربا من القوى الأمنية، وفيه ايضا من مناصري كل الأحزاب اللبنانية التي حسبت وتحسب على الصف الوطني والقومي والاسلامي، تماما كما يضم الكثير من الذين يطلق عليهم في لبنان الأغلبية الصامتة.
وبين الجيش اللبناني الجديد وحي السلم القلق علاقة أخرى، اذ يضم هذا الحي نسبة كبيرة من مساكن الجنود المتحدرين من أقاصي المناطق الريفية في شرق لبنان وجنوبه، وهذه العلاقة محكومة بإيقاع فيه من الحساسية ما يمكن ان يقلب الطاولة على رؤوس الجميع اذا ما تمادى الناقمون على سياسة حكومة الرئيس الحريري في قطع الطرق بالاطارات المحروقة أو تمادت مخابرات الجيش في تعقبهم ومحاولة اعتقالهم، لأن الخطوط الفاصلة، حينذاك، بين العشيرة والجندية والحزبية تضمحل وتتداخل في ما بينها الى حد لا يمكن معه التفريق بين قمع مطلوبين للقضاء وبين كسر شوكة فصائل المقاومة، أو تحجيم حزب الله ودوره في لبنان، ولذلك ربما تكون الادارة السياسية اللبنانية أدركت أن لغم حي السلم لن يطيح فقط بحكومة الرئيس الحريري، بل سيخرج النظام برمته عن السكة التي يسير عليها، فسارعت الى القبول على مضض بالخروج من الضاحية الجنوبية الى محيطها قبل ظهر أول من أمس الجمعة، وترك الأمر بعهدة القوى المسيطرة سياسيا على الأرض.
لكن هل انتهت الأزمة فصولا؟ وهل يستطيع حزب الله ومعه حركة أمل تحمل الخسائر التي نجمت عن فخ الخميس الماضي؟ للاجابة عن ذلك لا بد من النظر في مدى التأثير السلبي الذي ستتركه أحداث يومي الخميس والجمعة الماضيين على حزب الله وحركة أمل ليس في الضاحية الجنوبية لبيروت فقط، بل في لبنان ككل، اذ ان اضعاف القوى الأمنية الشرعية في الضاحية الجنوبية سيؤدي الى افساح المجال امام الخارجين عن القانون للتمادي أكثر وسيشكل خروج هذه القوى من الضاحية ما يشبه ترك عصابات تهريب المخدرات وتزييف العملة والسرقة تسرح وتمرح من دون أي تعقب وسيؤدي ذلك الى انغماس حزب الله وحركة أمل في الشؤون الأمنية أكثر من ذي قبل، وستعود اللجان الأمنية الحزبية الى عزها السابق الذي افتقدته مع عودة الشرعية الى غالبية المناطق اللبنانية، وسيعود مفهوم «الجزيرة الأمنية» الى التداول أكثر من ذي قبل، ما يمهد لاحقا الى عودة الملاحظات الديبلوماسية الغربية الى التداول حول الوضع الأمني في ما يتعلق بالضاحية الجنوبية، وذلك سيؤدي حسب الايقاع اللبناني المتبع منذ سنوات الحرب الى جر الدور السوري الى شوارع الضاحية اكثر من ذي قبل، وكل ذلك سيؤثر سلبا على صورة حزب الله وحركة أمل في هذه المنطقة ما يجعل، لاحقا، من قضية دخول القوى الأمنية الى هذه المنطقة مطلبا شعبيا لن يكون بمقدور أي جهة سياسية الوقوف بوجهه ويعني تاليا امرار كل المشاريع السياسية وغير السياسية على طرقات الضاحية الجنوبية، وبذلك يكون الذين أرادوا جعل حي السلم فخا أمنيا قد نجحوا وتكون القوى السياسية الفاعلة على الأرض قد خسرت رصيدها الذي عملت لسنوات على مراكمته.
واذا ما لاحظنا سيل المواقف الداعمة للجيش اللبناني التي انهمرت على اثر الأحداث الأخيرة فإننا نجد ان رسالة واضحة أرسلت الى أكثر من جهة أهمها الجهة المعنية بضبط الوضع جماهيريا وافهامها ان الخطوط الحمر اللبنانية ان قطعت تحت ستار قضية مطلبية بحتة فإنها ستقطع الطرق عليها ان حاولت التقاعس في ضبط الوضع في الضاحية الجنوبية.
ان السقوط عن السلم لم ينحصر في حكومة الرئيس رفيق الحريري، بل ان جميع القوى اللبنانية المعنية بهذا الحي الخارج عن الجغرافيا اللبنانية سقطت عن السلم!
hasan061@yahoo,com
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























