عسكر تخليص
كتبهاhasanaa1 ، في 4 شباط 2006 الساعة: 03:40 ص
«عسكر… تخليص»
حسن أحمد عبدالله
صغارا كنا نلعب لعبة اسمها «عسكر تخليص» او كما يسميها البعض «عسكر وحرامية», اللاعبون في هذه اللعبة ينقسمون الى فريقين «العسكر» و «الحرامية» وعلى العسكر القاء القبض على الحرامية، وكلما اعتقل احد الحرامية يقف عند حد مرسوم او الى الجدار اذا كان في المكان جدار، الى ان يستطيع فريقه تخليصه من بين ايدي العسكر، وعندما يعتقل الولد يصرخ من اعتقله «فلان حسوميس»، واعتقد ان هذه الكلمة مأخوذة من احدى اللغات القديمة التي كانت مستخدمة في بلاد الشام قديما وربما كانت تعني «الصمت » او «التوقف عن الاستمرار في الحديث» لان في العاميات الشامية ماتزال مفردة «حس» تعني «الصوت» فيقال عن فرد غائب «لم يسمع له لا حس ولاخبر», وفي هذه اللعبة وغيرها كانت تستخدم تعبيرا عن التوقف عن اللعب او ان الولد الذي سقط في أيدي العسكر اصبح في لغة العسكر محيدا، أي غير موجود.صغارا كنا نمضي الكثير من الوقت في هذه اللعبة وغيرها من الالعاب المشابهة لها وكنا نكثر من استخدام كلمة «حسوميس», اليوم تكاد هذه الالعاب تنقرض تحت وطأة الحضور القوي للالعاب الالكترونية مثل «الاتاري» و«البلاي ستيشن» وغيرها من الالعاب التي لا اعرفها ويعرفها اطفال هذا الزمن عن ظهر قلب
واليوم نحن في عز موسم «جوائز نوبل» وبخاصة اكثرها شهرة جائزة نوبل للاداب و العرب يرشحون انفسهم للفوز بهذه الجائزة، أي على قاعدة «انا واهلي رضينا ببنت السلطان وباقي شغلة بسيطة وهي ان ترضى هي وابوها بي».في الوقت ذاته تعلق مصائر بعض الشعوب العربية على طرف لسان بعض زعماء العالم، تماما كما هي حال لبنان الان المعلق على رأس قلم ديتليف ميليس المتوقع ان يعلن تقريره في 21 من الشهر الجاري (ويصادف يوم جمعة) او يطلب تمديد مهمته الى 15 ديسمبر المقبل، وكما جرت العادة في جوائز نوبل فان «نوبل للاداب تعلن في الخميس الاول من شهر اكتوبر ( أي غدا) او كما توقعت وكالة الصحافة الفرنسية قبل ايام ان يؤجل اعلانها الى الاسبوع المقبل، وللمصادفة فان 15ديسمبر المقبل يصادف الخميس الثالث في ذلك الشهر وربما سينتظر اللبنانيون ومعهم السوريون والكثير من العرب اما ان يفوزوا بـ «نوبل للسلامة والخلاص من الدوامة» واما العودة الى نوبل ماقبل الجائزة، أي عندما اخترع السويدي الفريد نوبل الديناميت، وان يفجر «ديناميت ميليس» لبنان والمنطقة وبالتالي ننتظر سنوات طويلة حتى يأتي من يقول لنا «حسوميس» ونستريح من الدم والدمار بضع سنوات او بضعة عقود وتتجدد لعبة «العسكر والحرامية» مرة اخرى كما هي عادة المنطقة.
حتى الان كل مايظهر امامنا يشبه الالعاب الحديثة، هذه الالعاب التي تقوم على مبدأ المراحل وفي نهاية كل مرحلة تظهر لنا عبارة «مبروك دخلت مرحلة جديدة» وهي العاب عبثية لانهاية لها اذ تتوالد مراحلها الى ما لانهاية.
اما في لعبة «عسكر تخليص» فكانت هناك نهاية وهي انتصار فريق على اخر، واللذيذ في هذه اللعبة ان لا العسكر هم عسكر دائما ولا الحرامية هم حرامية دائما، إذ فيها تبادل ادوار عادل الى حد ما, نحن في اللعبة الالكترونية دائما الفريق المهزوم لاننا لم نصنع اللعبة ولم نتعلم اصولها فمعظمنا تعلم استخدام التكنولوجيا في سن متأخرة، بمعنى اخر ذهبنا الى مدارس محو الامية الالكترونية متأخرين جدا ولان التعليم في الصغر كالنقش في الحجر فنحن في استخدام التكنولوجيا «نفك الخط» رغم مهارتنا في بعض الالعاب او في تنضيد الحروف على لوحة مفاتيح الكمبيوتر، ولان مايجري الان في المنطقة يخضع لشروط اللعبة الالكترونية لان مصمم اللعبة بات الكترونيا اكثر من اللازم، فاننا نمثل دور المشاهد اكثر من دور المشارك لا بل نحن الكومبارس في اللعبة واللاعبون من حولنا كثر الى درجة لانعرف من يقول لنا «حسوميس» كل مرة.بين «خميس نوبل» و«خميس ميليس» ثمة تقاطعات عدة اهمها على الاطلاق اننا ننتظر النتيجة، تماما كما ينتظر التلميذ نتيجته اخر السنة من الاستاذ، فأما ان يكون ناجحا وينال من والده الهدية واما يرسب، وفي هذه الحالة لن يكون هو المقصر بل «الاستاذ لايحبه لذلك وضع له علامات سيئة» تماما كما كنا نقول جميعنا في صغرنا عندما لا نحصل على علامات جيدة ( ليسمح لنا من يريد ان يتبجح بانه لم يقل ذلك في صغره ابدا)، ومن التقاطعات ايضا ان كلا الخميسين «افرنجي» و كل «افرنجي برنجي وله رهجه» في العالم العربي، ومايأتي من الغرب يسر القلب دائما وليس كما يقول المثل العربي «كل مايأتي من الغرب لا يسر القلب» وبالتالي اهملنا كل جوائزنا العربية وركزنا على «نوبل» واهملنا كل موروثنا الحضاري وركزنا على «النهضة الاتية الينا من الغرب»، ونسينا ان هذا الغرب هو من أنشأ لنا اجهزة الاستخبارات عندما استعمرنا وهو من انشأ لنا مراكز القوى في السلطة وتوزيع المغانم وهو من شغلنا منذ امد بعيد والى يومنا هذا بالصراعات الداخلية والمحاور الاقليمية، وهو من علمنا الرقابة على كل شيء بدءا من الرقابة على الصحف وانتهاء بالرقابة على شبكة الانترنت، ونحن اذا عدنا الى تراثنا الادبي لوجدنا ان في مرحلة ماقبل الاستعمار كان ادبنا ثريا جدا واكثر حرية مما نحن عليه الان وتكفي قصائد ابونواس وقيس وعروة والاعشى وابو الطيب ( رغم انه كان اكثر الناس مدحا للحكام) وغيرهم الكثير من الشعراء وغير الشعراء من العرب، وما علينا الا ان نضرب الصحافة الموريتانية مثلا التي تنتظر اعدادها يومين او ثلاثة حتى تفرج عنها الرقابة في نواكشوط وبالتالي لايعرف الموريتاني اخبار بلاده الا متأخرا.في هذه الحال نحن دائما الحرامية، ولم نلعب دور العسكر ولو مرة واحدة ولهذا نحن متهمون دائما ولايوجد من يخلصنا ولقد اصبحت «حسوميس» من المسلمات في حياتنا ولا نعرف متى يسمح لنا فريق العسكر بأن نلعب دوره وهو يأخذ دورنا، ولو لمرة واحدة فقط حتى «نفش خلقنا ياجماعة»، لقد تعبنا من دخول المراحل الجديدة كل مرة ودائما نصل الى نهاية المرحلة في اللعبة الالكترونية ونقول انها اخر المراحل لكننا في اخرها نفاجأ ان هناك مرحلة جديدة.انني ارثي لحال طفلي ابن الاعوام العشرة، هذا الذي لا يعرف لا لعبة «الغميضة» ولا «عسكر تخليص» ولا «اللقيطة» وانما يعرف «الاتاري» و«البلاي ستيشن» وهي العاب لأحركة فيها ما جعله بدينا و«ماله خلق» على الرياضة ولعب الالعاب القديمة التي كلها حركة ونشاط، جيل ابني يدرك ابعاد اللعبة الالكترونية الجديدة اكثر من جيلنا وبالتالي هو اقدر على فهم «خميس نوبل» و «خميس ميليس» اكثر من جيلنا ولكنه لن يستطيع اللعب مع الكبار لان لعب الكبار لامزاح فيه وخطأهم صواب دائما وصوابنا خطأ ونحن تعلمنا الفرنسية والانكليزية من المستعمر، بينما «خميس نوبل» يتحدث بالسويدية و«خميس ميليس» يتحدث بالالمانية والمصادفة الجغرافية جعلت المانيا والسويد جارين يفصل بينهما بحر صغير، أي اننا نريد اكثر من مترجم في هذه الحال حتى يترجم لنا «حسوميس» كل واحد منهما، ربما ساعتئذ نعرف كيف نفهم لغة اساتذتنا المستعمرين ونعرف لماذا كان علينا ان ندرس جغرافية فرنسا وانكلترا اكثر من جغرافية بلداننا العربية، ونعرف عن نابليون بونابرت وماجلان اكثر من ابن بطوطة مثلا, في اغنية «توت,,, توت ع بيروت» التي يغنيها مارسيل خليفة وكتبها قريبنا محمد العبدالله يقول: «كذبوا علينا بالتاريخ,,,وطلعت الكذبة فيّ» ونحن طلعت كذبة التاريخ الذي تعلمناه فينا فلا الذي قرأنا عنه في الكتب المدرسية كان صحيحا ولا ما نشاهده صحيح وبتنا لا نعرف من نصدق!.وبمناسبة ذكر نابليون بونابرت، تحضرني حادثة وقعت مع واحد من ابناء بلدتي (سأطلق عليه لقب الاكول لانه يحب الاكل كثيرا) قبل نحو عشرين عاما، اذ كان احد ابناء البلدة على خصومة مع قريب له وذهبا الى المحكمة في المدينة القريبة من بلدتنا، واحتاج احدهما الى شاهد يعرفه امام القاضي فذهب يبحث في سوق المدينة والتقى مصادفة الاكول فقال له احتاجك ان تشهد امام القاضي انك تعرفني، فقبل الرجل ولكنه في الطريق الى المحكمة خاف من عواقب امر الشهادة وحين امتثل امام القاضي وسأله الاخير: «هل تعرف هذا الرجل؟» اجاب: «اسمع عنه».فقال القاضي: «اتيت الى المحكمة لتشهد وانت تسمع عنه ولا تعرفه؟» فقال: «هل تعرف انت نابليون بونابرت؟» اجاب القاضي: «قرأت عنه» فعاجله الاكول: «انت قرأت عن نابليون وانا سمعت عن هذا الرجل,,, ما الفرق بيني وبينك؟,,, خذ بشهادتي اذن».اننا ننتظر «خميس نوبل» و «خميس ميليس» ولا ندري أي خميس سيكون خميسا جيدا لنا! لكن في نهاية الامر نريد من يخلصنا مما نحن فيه حتى نعرف كيف نترجم «حسوميس» اقله الى لغتنا او نعود الى اكمال دراستنا في محو الامية الالكترونية ونتفقه اكثر في لعبة الحاضر، لكن علينا ان نتذكر ان في العالم العربي تبلغ نسبة الامية العادية 62 في المئة فكم تبلغ نسبة الامية الالكترونية والسياسية والثقافية؟.hasana961@yahoo.com
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























