لمراسلة الكاتب

hasana961@yahoo.com

hasanaa1@maktoob.com

من قتل صقر؟

كتبهاhasanaa1 ، في 4 شباط 2006 الساعة: 03:34 ص

من قتل "صقر"؟
 

- حسن أحمدعبدالله*
كانتفلسفة أبوجابر تقوم على المثل القائل "تزوج امرأة جميلة تصبح معروفا وتزوج امرأةقهارة تصبح فيلسوفا"، لذلك كان الرجل قد تزوج من امرأة لا تنفك عن المماحكة و"النق" والقهر، وأصبح فيلسوف عصره، أقله على مستوى البلدة، هذا الرجل اختلف مع جارهأبونجيب في الخمسينات من القرن الماضي على الموقف من حلف بغداد، وأخذت تتطايرشرارات خلافهما لتضرب كل رابط بينهما، فالجيرة تحولت إلى عداء، وصلة القربة انقطعت "هما أبناء خالات" ووقفت زوجة كل منهما إلى جانب زوجها.

تضاربالمواقف هذا أدى إلى تضارب مصالح بينهما أدى في نهاية الأمر إلى خضوع كل منهمالوصاية طرف آخر، والخاسر الأكبر في هذا الخلاف كانوا أولادهما، فهؤلاء كانوا أصدقاءفي المدرسة والملاعب، وأعداء في منازلهم، وعلى هامش الحرب الدائرة بين أبوجابروأبونجيب نشأت قصة حب بين منيرة ابنة أبوجابر وصقر ابن أبونجيب، وكانت هذه القصةمحل حديث سهرات شبيبة البلدة، وبقيت حوادثها بعيدة عن أسماع ذويهما حتى لا تقعالكارثة. وفي يوم من أيام شتاء العام 1967 اكتشف أبونجيب قصة حب صقر لمنيرة وأعلنالحرب على ابنه إلى درجة طرده من المنزل، كان الشاب وقتذاك في التاسعة عشرة منالعمر والبنت في الثامنة عشرة، ولم يكن أصبح منتجا بعد، فوجد الشاب نفسه في أمسيةذلك اليوم وحيدا في عراء البرد والمطر في شوارع البلدة، وأمضى ليلته الأولى فيمغارة من المغارات الموجودة في أطراف البلدة، وفي الصباح ذهب إلى دكان أبورجبواشترى قارورة سم حشرات وعاد إلى المغارة ليتجرعها وينتحر فداء للحب.
يومذاكاتهم أبونجيب ابنة أبوجابر بقتل ابنه لأنها - كما قال - "لو لم تكن جميلة وحبتالصبي ما كان انتحر"، بينما اعتبر أبوجابر انتحار صقر نتيجة طبيعية لموقف والدهالمؤيد لحلف بغداد، وقال: "صحيح حلف بغداد سقط وسقطت معه أنظمة بس ما فينا ننكرالتأثيرات السلبية اللي تركها الحلف على الناس ومنها جريمة اغتيال صقر بطريقة غيرمباشرة". منذ أن اندلعت الحرب بين الرجلين اتفقا وللمرة الأولى على مبدأ "اغتيالصقر" لكنهما اختلفا على الأسباب. يومذاك أعلنت منيرة أنها لن تتزوج طوال حياتها،لكنها بعد نحو أربع سنوات بدلت رأيها لأن "كل شيء يولد صغيرا إلا الحزن يولد كبيراثم يصغر"، ولأن "الحزن لن يرجع صقر"، ولأن حسب نظرية أم جابر "البنت يا زيجتها ياجنازتها"، ومنيرة بنت عاقلة وبتفهم اختارت الزواج على الجنازة
.
يومذاك جعلأبوجابر من عرس ابنته معركة الطرف الأغر في مواجهة أبونجيب الذي ما إن ابتدأ العرسحتى جمع أسرته وغادر البلدة لزيارة شقيقه في المدينة المجاورة، وعلقت أم نجيبقائلة: "حرقت قلوب مرتين ما بيصير قتلوا الصبي أول مرة وهلق "الآن" بدهم يقتلوه مرةثانية… الله على الظالم". في كل ذلك كانت أم جابر تمارس هوايتها بالمماحكةو"النق" وكانت فلسفة أبوجابر تزداد تألقا بين أبناء البلدة، واعتبر رحيل أبونجيب عنالبلدة يوم عرس ابنته من "باب التنغيص علينا الصبي مات الله يرحمه، والبنت بقيترافضة الزواج أربع سنوات، وتمديد الحداد مستحيل بهيك ظروف لأن العريس فرصة لاتتكرر، استاذ مدرسة وابن حكومة، ومش من البلدة، ونحن لا نستطيع رفض تزويج البنت لأنهم البنات للممات، وفرصة بيشيل عنا شوي من هم مصروفها
".
لم يطل أمر هذه الزيجةالتي قامت على المصلحة التي حاولت أم جابر استغلالها إلى أبعد الحدود، واعتقدت أنموظف الحكومة صاحب مناجم الماس "يغرف منها كيف ما شاء ويصرف"، وبدأت متطلبات أمجابر، مرة تريد شراء تلفزيون، ومرة تريد أن يكفلها صهرها عند أبوخليل لشراء "طقمكنبايات ستيل" ولأن التي "صهرها ابن حكومة لازم يكون صالونها صالون حكومي". أمامسلسلة متطلبات أم جابر التي لا تنتهي وجد الصهر نفسه مجبرا على تجرع كأس الطلاقالمرة حتى لا يصبح صقرا آخر ويتجرع قارورة سم الحشرات في المغارة
.
عادت منيرةإلى بيت والدها تجر خلفها أذيال الخيبة من هذه التضحية التي انتهت إلى إنجاب طفلووثيقة طلاق والعودة إلى سماع "نق" والدتها وفلسفات والدها التي أدت "إلى بازاركوارث" حسبما قالت منيرة لبهية ابنة ابونجيب، وكرد فعل على كل ذلك شقت منيرة عصاالطاعة وعقدت صلحا علنيا مع بيت أبونجيب، وكانت أول من يعلن انشقاقه على "الموقفالتاريخي الثابت لوالدها"، وعلق أبوجابر على الأمر بالقول: "البنت مقهورة وبدها تفشخلقها وهذه المصالحة فشة خلق وبعد كم يوم بترجع البنت لرشدها
".
باب المصالحةالذي فتحته منيرة أدى إلى انهيار حلف العداء، على ورغم بقاء كل من أبوجابر وأبونجيبعلى مواقفهما وتساندهما زوجاتهما فإن الأبناء أرادوا أن يكونوا أبناء عصرهم لا أنيقفوا عند حلف بغداد طوال العمر
.
وفي مناسبة الحديث عن حلف بغداد الأديب الشعبياللبناني سلام الراسي في كتابه "قال المثل - الناس أجناس" وتحت عنوان "عندما كانالزجل والشعر في خدمة لبنان" يكتب "في ربيع 1955 اشتد التجاذب، في لبنان، بين المدالناصري وما كان يسمى "حلف بغداد" بزعامة تركيا ورعاية بريطانيا العظمى، وكان ذلكفي عهد الرئيس كميل شمعون ورئيس حكومته سامي الصلح، وجاء الوزير التركي جلال بايارإلى لبنان يدعوه إلى الالتحاق بحلف بغداد وجرى له استقبال رسمي مميز وعلقت على بابالسفارة التركية قرب مخفر حبيش "رأس بيروت" صورة مكبرة للزائر التركي، كما انتشرتصوره مع كبار المسئولين اللبنانيين في الصحف وعلى بعض الجدران، وتسلل أحد شعراء ذلكالزمن في غفلة من رجال الأمن وكتب تحت صورة جلال بايار ردة من الزجل
:
"
قال هذاجلال بايار جايي من بعيد

يعرض علينا حلف اسياد وعبيد
لا مش جلال… يمكن يكونهذا جمال
باشا، رجع ينصب مشانق من جديد"
ويضيف سلام الراسي "في ذلك الوقت كانتمثال رياض الصلح بطل استقلال لبنان يشمخ منتصبا في الساحة المسماة على اسمه "وسطبيروت"، وحدث يومئذ أن وجد على قاعدة التمثال بيتان من الشعر هما
:"
قم يا رياضالصلح حارب

عبث الاحبة والأقارب
أخذوا مفاتيح البلاد
وسلموهاللأجانب"
"
انتهى الاقتباس
".
"
حلف بغداد" لم يقسم الشارع السياسي العربيواللبناني آنذاك، بل قسم الشعر والشعراء والعائلات، وعلى رغم انه حمل اسم "حلفبغداد"، فإن الزعامة كانت لتركيا والرعاية لبريطانيا العظمى، وعلى رغم كل الضحاياالتي ذهبت في سبيل هذا الحلف كانت مسألة انتحار صقر بن ابونجيب الأكثر تأثيرا فيوجدان أبناء بلدتنا لأنها فجرت سلسلة من الأسئلة يومذاك حول جدوى العداوات المحليةاستنادا إلى عداوات إقليمية لا ناقة ولا جمل فيها لأبناء البلدة ولم تنته هذهالأسئلة لا مع انفجار الحرب اللبنانية، ولا مع اتفاق الطائف، ولا مع اسقاط مشروعتقسيم لبنان عندما أخرج ميشال عون من قصر بعبدا العام ،1990 ولا مع انسحاب قواتالاحتلال الإسرائيلي من جنوب لبنان العام ،2000 ولا مع انسحاب القوات السورية فيابريل/ نيسان العام الجاري، ولا مع اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وانتحار أو بالأحرىكما قال وزير الخارجية السوري فاروق الشرع في تصريح له "اغتيال اللواء غازي كنعان" يوم الاربعاء الماضي
.
لبنان بلد الأسئلة التي دائما تأتي أجوبتها من الخارج،ولهذا نسأل: انتحار أو اغتيال غازي كنعان عن أي سؤال لبناني يجيب، الم يكن الرجل "حاكم لبنان شبه المعلن لنحو عقدين من الزمان"؟ هل هو صقر بن ابونجيب وذهب ضحيةالعداء بشأن "حلف بغداد"؟

*
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر