لمراسلة الكاتب

hasana961@yahoo.com

hasanaa1@maktoob.com

تكتيك العرب

كتبهاhasanaa1 ، في 4 شباط 2006 الساعة: 03:28 ص

 
تكتيك العرب.. وشوشة مخدات وديك
 
 
حسن أحمد عبدالله
 
 
أبو سمير الديك يعمل خياطا، وقد ورث المهنة عن ابيه، واكتسب لقب الديك، من ديك كان يربيه في دكانه، وكان افرد له حيزا من الدكان، واحيانا يصادف ان "يضيق خلق" الديك فيخرج من حيزه ويعيث فسادا في الدكان، ويوسخ الاقمشة الموجودة، وكثيرا ما كان احد الزبائن يأخذ البنطال الذي فصله له ابو سمير وعليه بعض اثار الديك، وكان كل ما احتج احد الزبائن رد ابو سمير قائلا: "هذه تفاصيل… الاصل في البنطلون والخياطة… بتعرف الديك طلع خلقه وعبر عن رأيه حسب معرفته بالتعبير". ابو سمير كان من انصار الماركسية - اللينينية، وكان يقيس الاحداث حسب وجهة النظر السوفياتية، ويوم انتقم ابو صالح الدهان (نسبة الى مهنته كصباغ) من الديك وانقض عليه وفصل رأسه عن جسده، اعتبر أبو سمير هذا الاعتداء من ضمن مخطط محاربة انصار الاشتراكية في البلدة لان "الحضور الماركسي القوي يهدد المصالح الاقطاعية المرتبطة بالامبريالية والقصة مش قصة ديك وقتل الديك تكتيك لجرنا للمواجهة مع التيار الاقطاعي بالبلدة".
يو مذاك قالت حليمة النقشة: "ابو سمير بيفهم وبيحكي حكي كبير مش مثل ابو صالح عقلاته صغار، حدا بيحط عقله بعقل الديك، شوكان بدنا من الامبريالية حتى تتدخل بشؤون بلدنا وتغار منها الماركسية وتصير بدها تتدخل… الله يجيرنا من وشوشة المخدة، ومن شو بتشكي ام صالح حتى زوجها يسمع كلام الامبريالية، وصحيح ابو سمير بيفهم بس عيب عليه ام سمير مثل الوردة ليش بيعطي اذنه لهذه الماركسية… صحيح كل شيء افرنجي برنجي صدق المثل وصرنا باخر وقت".
بين ابو سمير وابو صالح وحليمة النقشة وتحليلها "السياسي"الذي انتهى الى اعتبار الامبريالية والماركسية نسوان اجانب عاشت البلدة وقتذاك نحو اسبوع من الملهاة السوداوية، اذا كاد الامر يتطور في احدى المراتالى مواجهة بالاسلحة القروية (العصي وسكاكين المطبخ) لولا تدخل ابو امين المختار والاستعانة بأبوخليل رئيس البلدية، وتحول الحاج قاسم الفرفور الى وسيط بين الطرفين.
 
يومذاك خرجت ام وديع الغريبة (نسبة الى كونها ليست من بنات البلدة رغم زواجها من احد ابناء البلدة منذ 40 عاما بقيت الغريبة) بموقف حازم وقالت: "اذا ابو سمير وابو صالح لن يوقفا معركتهما سأخذ الدكان من ابو سمير واطرد صالح ابن ابو صالح من البيت التحتاني (اذ ان صالح وابو سمير كانا يستأجران الدكان والبيت منها)، وامام هذا التهديد وحده خمد أوار المواجهة بين الطرفين وعادت الامور الى التصريحات والتصريحات المضادة، التي كان منبرها تحت شجرة ميس هرمة في البلدة. في كل الاحوال لو لم يكن ابو صالح قطع رأس الديك لكان اتهم الاخير بانه السبب بوباء انفلونزا الطيور.
ثمة حالات عدة مشابهة لحادثة ابو سمير وابو صالح، وهذه الحالات تغرق بالتفاصيل الى حد الاختناق، وقديما قالوا "الشيطان يكمن في التفاصيل"، ولقد اعتاد العرب البحث في تفاصيل التفاصيل لانهم لا يستطيعون الاخذ بالاستراتيجية، اي انهم خبراء تكتيك على شاكلة ابو صالح الذي "تكتك" في قتل ديك ابو سمير لانه يريد ان يجر الاخير الى صراع بين البروليتاريا والامبريالية عبر اداتها الاقطاعية في البلدة، علما ان قضية الديك لا تخرج من اطار نقره ليد ابو صالح الذي انتقم لنفسه وفصل رأس الديك عن جسده، والمسألة ليست "وشوشوة مخدات" كما قالت حليمة النقشة، ولم يخن ابو سمير زوجته مع الماركسية، ولا ابو صالح خان زوجته مع الامبريالية، واذا كانت حليمة النقشة صرفت ثلاثة ايام من وقتها الثمين لتفهم معنى الماركسية والامبريالية من الاستاذ نجيب ,الذي حتما ان هذا الوقت بالنسبة لنجيب لم يكن له اي ثمن والا كان صرفه بما يفيد به البلدة وقتذاك، فإن العرب يلزمهم من الوقت الكثير الكثير ليعرفوا معنى المهم والاهم والاكثر اهمية، ولذلك لا نستغرب من كيل العنتريات العربية من على المنابر، ومن جعل النظام بحدود الوطن، وان اهتز النظام سقط الوطن، فالقصة عند العرب لا تتعدى قصة الديك الذي فجأة يتحول الى مسألة دولية، لا ينام الرئيس الفرنسي، ولا يهدأ بال رئيس الوزراء البريطاني، ولا يتحرك الرئيس الاميركي قيد انملة من مكانه قبل ان تحل "قضية الديك"، وكل ما في امر الديك انه باض في حياته بيضة يتيمة لا تصلح لشيء، اي في نهاية الامر هناك شبهة حول هذا الديك الذي هو اقرب الى الدجاجة أكثر منه الى الديك، اي لو كان ديكا حقيقيا لما كان باض فالدجاجة وحدها تبيض.
قال ارييل شارون قبل ايام عدة ان "اسرائيل لن تتفاوض مع سورية لانها (اي اسرائيل) لا تنوي الانسحاب ابدا من الجولان". ومر تصريح شارون مرورا عابرا في سياق الاحداث ولم يتوقف عنده اي محلل نحرير ومتكلم عتعيت من عتاعيت العرب، ولم يتحول موقف شارون الى حذفور بسيط  في حذافير الكلام العربي عن التهديدات والاخطار التي تواجه العالم العربي، حتى في الخطاب الاخير الذي القاه الرئيس السوري بشار الاسد لم يكن هناك اي تعليق على كلام شارون، الذي تحدث عن قضية استراتيجية بالنسبة لسورية، ولن تكون هناك قضية، مهما كانت مهمة، اهم من قضية الجولان التي يعتبر تحريرها الحقيقة المطلوب الكشف عنها قبل اي حقيقة اخرى، ولذلك كان الحديث في التفاصيل الى حد لا يمكن معه غض الطرف عن عدم التطرق الى الجولان، فهل مسألة التحقيق مع عدد من الضباط اللبنانيين والسوريين اكثر اهمية من الجولان، اي ان التفاصيل اصبحت هي خطاب المرحلة؟
فجأة استيقظت كل المشاكل بين لبنان وسورية، بدءا من الخلافات الشخصية وصولا الى ترسيم الحدود، وباتت اجندة الخلاف بين البلدين تتشعب، وانقلب التلازم في المسارين اللبناني - السوري الى افتراق في المصيرين رغم البقاء على السير نحو الهاوية من قبل البلدين، وتحول التكامل الى تقاتل اعلامي، والانفتاح بين البلدين الى اغلاق حدود لا يتضرر منه الا الفقراء في البلدين، وفجأة اصبحت قضية ترسيم الحدود بين البلدين من اهم القضايا، والطريف في هذا الامر ان الترسيم بدأ من النقطة الخطأ، فالوجهة الصحيحة لترسيم الحدود هي مزارع شبعا، وليس اي نقطة ثانية، وفي ذلك يقول رئيس الحكومة اللبنانية فؤاد السنيورة "لا مانع من ان يبدأ الترسيم من الشمال"، والخلاف في جوهره هو في الجنوب فلماذا البدء من الشمال؟
هنا لا بد من استطراد في هذا الشأن، اذ هناك وجهة نظر اسرائيلية تقول "ان تنفيذ القرار 242 في شقه السوري ينحصر في الانسحاب من مزارع شبعا". اي ان الانسحاب من هذه المزارع يكون تنفيذا كاملا للقرار الدولي، علما ان هذه المزارع لبنانية بالوثائق والخرائط وبالتالي لا يمكن ان يترك هذا الامر على غارب الصدف او تحت رحمة التفسيرات الاسرائيلية للقرارات الدولية، وعندما يتحدث شارون عن "لانية اسرائيل الانسحاب من الجولان" على السوريين واللبنانيين ان يفهموا ما يريد قوله شارون والرسالة التي يريد ايصالها، ولذلك الا يكون الغرق في التفاصيل اقرب الى منطق ابو سمير وابو صالح وحليمة النقشة؟
 
hasana9612@yahoo.com
 
 
   

    
تكتيك العرب.. وشوشة مخدات وديك
GMT 18:45:00 2005 الثلائاء 15 نوفمبر
الرأي العام الكويتية

الأربعاء: 16. 11. 2005
حسن أحمد عبدالله
 
 
أبو سمير الديك يعمل خياطا، وقد ورث المهنة عن ابيه، واكتسب لقب الديك، من ديك كان يربيه في دكانه، وكان افرد له حيزا من الدكان، واحيانا يصادف ان "يضيق خلق" الديك فيخرج من حيزه ويعيث فسادا في الدكان، ويوسخ الاقمشة الموجودة، وكثيرا ما كان احد الزبائن يأخذ البنطال الذي فصله له ابو سمير وعليه بعض اثار الديك، وكان كل ما احتج احد الزبائن رد ابو سمير قائلا: "هذه تفاصيل… الاصل في البنطلون والخياطة… بتعرف الديك طلع خلقه وعبر عن رأيه حسب معرفته بالتعبير". ابو سمير كان من انصار الماركسية - اللينينية، وكان يقيس الاحداث حسب وجهة النظر السوفياتية، ويوم انتقم ابو صالح الدهان (نسبة الى مهنته كصباغ) من الديك وانقض عليه وفصل رأسه عن جسده، اعتبر أبو سمير هذا الاعتداء من ضمن مخطط محاربة انصار الاشتراكية في البلدة لان "الحضور الماركسي القوي يهدد المصالح الاقطاعية المرتبطة بالامبريالية والقصة مش قصة ديك وقتل الديك تكتيك لجرنا للمواجهة مع التيار الاقطاعي بالبلدة".
يو مذاك قالت حليمة النقشة: "ابو سمير بيفهم وبيحكي حكي كبير مش مثل ابو صالح عقلاته صغار، حدا بيحط عقله بعقل الديك، شوكان بدنا من الامبريالية حتى تتدخل بشؤون بلدنا وتغار منها الماركسية وتصير بدها تتدخل… الله يجيرنا من وشوشة المخدة، ومن شو بتشكي ام صالح حتى زوجها يسمع كلام الامبريالية، وصحيح ابو سمير بيفهم بس عيب عليه ام سمير مثل الوردة ليش بيعطي اذنه لهذه الماركسية… صحيح كل شيء افرنجي برنجي صدق المثل وصرنا باخر وقت".
بين ابو سمير وابو صالح وحليمة النقشة وتحليلها "السياسي"الذي انتهى الى اعتبار الامبريالية والماركسية نسوان اجانب عاشت البلدة وقتذاك نحو اسبوع من الملهاة السوداوية، اذا كاد الامر يتطور في احدى المرات الى مواجهة بالاسلحة القروية (العصي وسكاكين المطبخ) لولا تدخل ابو امين المختار والاستعانة بأبوخليل رئيس البلدية، وتحول الحاج قاسم الفرفور الى وسيط بين الطرفين.
 
يومذاك خرجت ام وديع الغريبة (نسبة الى كونها ليست من بنات البلدة رغم زواجها من احد ابناء البلدة منذ 40 عاما بقيت الغريبة) بموقف حازم وقالت: "اذا ابو سمير وابو صالح لن يوقفا معركتهما سأخذ الدكان من ابو سمير واطرد صالح ابن ابو صالح من البيت التحتاني (اذ ان صالح وابو سمير كانا يستأجران الدكان والبيت منها)، وامام هذا التهديد وحده خمد أوار المواجهة بين الطرفين وعادت الامور الى التصريحات والتصريحات المضادة، التي كان منبرها تحت شجرة ميس هرمة في البلدة. في كل الاحوال لو لم يكن ابو صالح قطع رأس الديك لكان اتهم الاخير بانه السبب بوباء انفلونزا الطيور.
ثمة حالات عدة مشابهة لحادثة ابو سمير وابو صالح، وهذه الحالات تغرق بالتفاصيل الى حد الاختناق، وقديما قالوا "الشيطان يكمن في التفاصيل"، ولقد اعتاد العرب البحث في تفاصيل التفاصيل لانهم لا يستطيعون الاخذ بالاستراتيجية، اي انهم خبراء تكتيك على شاكلة ابو صالح الذي "تكتك" في قتل ديك ابو سمير لانه يريد ان يجر الاخير الى صراع بين البروليتاريا والامبريالية عبر اداتها الاقطاعية في البلدة، علما ان قضية الديك لا تخرج من اطار نقره ليد ابو صالح الذي انتقم لنفسه وفصل رأس الديك عن جسده، والمسألة ليست "وشوشوة مخدات" كما قالت حليمة النقشة، ولم يخن ابو سمير زوجته مع الماركسية، ولا ابو صالح خان زوجته مع الامبريالية، واذا كانت حليمة النقشة صرفت ثلاثة ايام من وقتها الثمين لتفهم معنى الماركسية والامبريالية من الاستاذ نجيب ,الذي حتما ان هذا الوقت بالنسبة لنجيب لم يكن له اي ثمن والا كان صرفه بما يفيد به البلدة وقتذاك، فإن العرب يلزمهم من الوقت الكثير الكثير ليعرفوا معنى المهم والاهم والاكثر اهمية، ولذلك لا نستغرب من كيل العنتريات العربية من على المنابر، ومن جعل النظام بحدود الوطن، وان اهتز النظام سقط الوطن، فالقصة عند العرب لا تتعدى قصة الديك الذي فجأة يتحول الى مسألة دولية، لا ينام الرئيس الفرنسي، ولا يهدأ بال رئيس الوزراء البريطاني، ولا يتحرك الرئيس الاميركي قيد انملة من مكانه قبل ان تحل "قضية الديك"، وكل ما في امر الديك انه باض في حياته بيضة يتيمة لا تصلح لشيء، اي في نهاية الامر هناك شبهة حول هذا الديك الذي هو اقرب الى الدجاجة أكثر منه الى الديك، اي لو كان ديكا حقيقيا لما كان باض فالدجاجة وحدها تبيض.
قال ارييل شارون قبل ايام عدة ان "اسرائيل لن تتفاوض مع سورية لانها (اي اسرائيل) لا تنوي الانسحاب ابدا من الجولان". ومر تصريح شارون مرورا عابرا في سياق الاحداث ولم يتوقف عنده اي محلل نحرير ومتكلم عتعيت من عتاعيت العرب، ولم يتحول موقف شارون الى حذفور بسيط  في حذافير الكلام العربي عن التهديدات والاخطار التي تواجه العالم العربي، حتى في الخطاب الاخير الذي القاه الرئيس السوري بشار الاسد لم يكن هناك اي تعليق على كلام شارون، الذي تحدث عن قضية استراتيجية بالنسبة لسورية، ولن تكون هناك قضية، مهما كانت مهمة، اهم من قضية الجولان التي يعتبر تحريرها الحقيقة المطلوب الكشف عنها قبل اي حقيقة اخرى، ولذلك كان الحديث في التفاصيل الى حد لا يمكن معه غض الطرف عن عدم التطرق الى الجولان، فهل مسألة التحقيق مع عدد من الضباط اللبنانيين والسوريين اكثر اهمية من الجولان، اي ان التفاصيل اصبحت هي خطاب المرحلة؟
فجأة استيقظت كل المشاكل بين لبنان وسورية، بدءا من الخلافات الشخصية وصولا الى ترسيم الحدود، وباتت اجندة الخلاف بين البلدين تتشعب، وانقلب التلازم في المسارين اللبناني - السوري الى افتراق في المصيرين رغم البقاء على السير نحو الهاوية من قبل البلدين، وتحول التكامل الى تقاتل اعلامي، والانفتاح بين البلدين الى اغلاق حدود لا يتضرر منه الا الفقراء في البلدين، وفجأة اصبحت قضية ترسيم الحدود بين البلدين من اهم القضايا، والطريف في هذا الامر ان الترسيم بدأ من النقطة الخطأ، فالوجهة الصحيحة لترسيم الحدود هي مزارع شبعا، وليس اي نقطة ثانية، وفي ذلك يقول رئيس الحكومة اللبنانية فؤاد السنيورة "لا مانع من ان يبدأ الترسيم من الشمال"، والخلاف في جوهره هو في الجنوب فلماذا البدء من الشمال؟
هنا لا بد من استطراد في هذا الشأن، اذ هناك وجهة نظر اسرائيلية تقول "ان تنفيذ القرار 242 في شقه السوري ينحصر في الانسحاب من مزارع شبعا". اي ان الانسحاب من هذه المزارع يكون تنفيذا كاملا للقرار الدولي، علما ان هذه المزارع لبنانية بالوثائق والخرائط وبالتالي لا يمكن ان يترك هذا الامر على غارب الصدف او تحت رحمة التفسيرات الاسرائيلية للقرارات الدولية، وعندما يتحدث شارون عن "لانية اسرائيل الانسحاب من الجولان" على السوريين واللبنانيين ان يفهموا ما يريد قوله شارون والرسالة التي يريد ايصالها، ولذلك الا يكون الغرق في التفاصيل اقرب الى منطق ابو سمير وابو صالح وحليمة النقشة؟
 
hasana9612@yahoo.com
 
الاربعاء 16/11/2005
 
العين الثالثة / تكتيك العرب… وشوشة مخدات وديك
حسن أحمد عبدالله: أبو سمير الديك يعمل خياطا، وقد ورث المهنة عن ابيه، واكتسب لقب الديك، من ديك كان يربيه في دكانه، وكان افرد له حيزا من الدكان، واحيانا يصادف ان «يضيق خلق» الديك فيخرج من حيزه ويعيث فسادا في الدكان، ويوسخ الاقمشة الموجودة، وكثيرا ما كان احد الزبائن يأخذ البنطال الذي فصله له ابو سمير وعليه بعض اثار الديك، وكان كل ما احتج احد الزبائن رد ابو سمير قائلا: «هذه تفاصيل,,, الاصل في البنطلون والخياطة,,, بتعرف الديك طلع خلقة وعبر عن رأيه حسب معرفته بالتعبير», ابو سمير كان من انصار الماركسية - اللينينية، وكان يقيس الاحداث حسب وجهة النظر السوفياتية، ويوم انتقم ابو صالح الدهان (نسبة الى مهنته كصباغ) من الديك وانقض عليه وفصل رأسه عن جسده، اعتبر أبو سمير هذا الاعتداء من ضمن مخطط محاربة انصار الاشتراكية في البلدة لان «الحضور الماركسي القوي يهدد المصالح الاقطاعية المرتبطة بالامبريالية والقصة مش قصة ديك وقتل الديك تكتيك لجرنا للمواجهة مع التيار الاقطاعي بالبلدة».
يو مذاك قالت حليمة النقشة: «ابو سمير بيفهم وبيحكي حكي كبير مش مثل ابو صالح عقلاته صغار، حدا بيحط عقله بعقل الديك، شوكان بدنا من الامبريالية حتى تتدخل بشؤون بلدنا وتغار منها الماركسية وتصير بدها تتدخل,,, الله يجيرنا من وشوشة المخدة، ومن شو بتشكي ام صالح حتى زوجها يسمع كلام الامبريالية، وصحيح ابو سمير بيفهم بس عيب عليه ام سمير مثل الوردة ليش بيعطي اذنه لهذه الماركسية,,, صحيح كل شيء افرنجي برنجي صدق المثل وصرنا باخر وقت».
بين ابو سمير وابو صالح وحليمة النقشة وتحليلها «السياسي» الذي انتهى الى اعتبار الامبريالية والماركسية نسوان اجانب عاشت البلدة وقتذاك نحو اسبوع من الملهاة السوداوية، اذا كاد الامر يتطور في احدى المرات الى مواجهة بالاسلحة القروية (العصي وسكاكين المطبخ) لولا تدخل ابو امين المختار والاستعانة بأبو خليل رئيس البلدية، وتحول الحاج قاسم الفرفور الى وسيط بين الطرفين.
يومذاك خرجت ام وديع الغريبة (نسبة الى كونها ليست من بنات البلدة رغم زواجها من احد ابناء البلدة منذ 40 عاما بقيت الغريبة) بموقف حازم وقالت: «اذا ابو سمير وابو صالح لن يوقفا معركتهما سأخذ الدكان من ابو سمير واطرد صالح ابن ابو صالح من البيت التحتاني (اذ ان صالح وابو سمير كانا يستأجران الدكان والبيت منها)، وامام هذا التهديد وحده خمد أوار المواجهة بين الطرفين وعادت الامور الى التصريحات والتصريحات المضادة، التي كان منبرها تحت شجرة ميس هرمة في البلدة, في كل الاحوال لو لم يكن ابو صالح قطع رأس الديك لكان اتهم الاخير بانه السبب بوباء انفلونزا الطيور.
ثمة حالات عدة مشابهة لحادثة ابو سمير وابو صالح، وهذه الحالات تغرق بالتفاصيل الى حد الاختناق، وقديما قالوا «الشيطان يكمن في التفاصيل»، ولقد اعتاد العرب البحث في تفاصيل التفاصيل لانهم لا يستطيعون الاخذ بالاستراتيجية، اي انهم خبراء تكتيك على شاكلة ابو صالح الذي «تكتك» في قتل ديك ابو سمير لانه يريد ان يجر الاخير الى صراع بين البروليتاريا والامبريالية عبر اداتها الاقطاعية في البلدة، علما ان قضية الديك لا تخرج من اطار نقره ليد ابو صالح الذي انتقم لنفسه وفصل رأس الديك عن جسده، والمسألة ليست «وشوشوة مخدات» كما قالت حليمة النقشة، ولم يخن ابو سمير زوجته مع الماركسية، ولا ابو صالح خان زوجته مع الامبريالية، واذا كانت حليمة النقشة صرفت ثلاثة ايام من وقتها الثمين لتفهم معنى الماركسية والامبريالية من الاستاذ نجيب الذي حتما ان هذا الوقت بالنسبة لنجيب لم يكن له اي ثمن والا كان صرفه بما يفيد به البلدة وقتذاك، فإن العرب يلزمهم من الوقت الكثير الكثير ليعرفوا معنى المهم والاهم والاكثر اهمية، ولذلك لا نستغرب من كيل العنتريات العربية من على المنابر، ومن الذي جعل النظام بحدود الوطن، وان اهتز النظام سقط الوطن، فالقصة عند العرب لا تتعدى قصة الديك الذي فجأة يتحول الى مسألة دولية، لا ينام الرئيس الفرنسي، ولا يهدأ بال رئيس الوزراء البريطاني، ولا يحرك الرئيس الاميركي قيد انملة من مكانه قبل ان تحل «قضية الديك»، وكل ما في امر الديك انه باض في حياته بيضة يتيمة لا تصلح لشيء، اي في نهاية الامر هناك شبهة حول هذا الديك الذي هو اقرب الى الدجاجة أكثر منه الى الديك، اي لو كان ديكا حقيقيا لما كان باض فالدجاجة وحدها تبيض.
قال ارييل شارون قبل ايام عدة ان «اسرائيل لن تتفاوض مع سورية لانها (اي اسرائيل) لا تنوي الانسحاب ابدا من الجولان», ومر تصريح شارون مرورا عابرا في سياق الاحداث ولم يتوقف عنده اي محلل نحرير ومتكلم عتعيت من عتاعيت العرب، ولم يتحول موقف شارون الى حذفور بسيط في حذافير الكلام العربي عن التهديدات والاخطار التي تواجه العالم العربي، حتى في الخطاب الاخير الذي القاه الرئيس السوري بشار الاسد لم يكن هناك اي تعليق على كلام شارون، الذي تحدث عن قضية استراتيجية بالنسبة لسورية، ولن تكون هناك قضية، مهما كانت مهمة، اهم من قضية الجولان التي يعتبر تحريرها الحقيقة المطلوب الكشف عنها قبل اي حقيقة اخرى، ولذلك كان الحديث في التفاصيل الى حد لا يمكن معه غض الطرف عن عدم التطرق الى الجولان، فهل مسألة التحقيق مع عدد من الضباط اللبنانيين والسوريين اكثر اهمية من الجولان، اي ان التفاصيل اصبحت هي خطاب المرحلة؟
فجأة استيقظت كل المشاكل بين لبنان وسورية، بدءا من الخلافات الشخصية وصولا الى ترسيم الحدود، وباتت اجندة الخلاف بين البلدين تتشعب، وانقلب التلازم في المسارين اللبناني - السوري الى افتراق في المصيرين رغم البقاء على السير نحو الهاوية من قبل البلدين، وتحول التكامل الى تقاتل اعلامي، والانفتاح بين البلدين الى اغلاق حدود لا يتضرر منه الا الفقراء في البلدين، وفجأة اصبحت قضية ترسيم الحدود بين البلدين من اهم القضايا، والطريف في هذا الامر ان الترسيم بدأ من النقطة الخطأ، فالوجهة الصحيحة لترسيم الحدود هي مزارع شبعا، وليس اي نقطة ثانية، وفي ذلك يقول رئيس الحكومة اللبنانية فؤاد السنيورة «لا مانع من ان يبدأ الترسيم من الشمال»، والخلاف في جوهره هو في الجنوب فلماذا البدء من الشمال.
هنا لا بد من استطراد في هذا الشأن، اذ هناك وجهة نظر اسرائيلية تقول «ان تنفيذ القرار 242 في شقه السوري ينحصر في الانسحاب من مزارع شبعا», اي ان الانسحاب من هذه المزارع يكون تنفيذا كاملا للقرار الدولي، علما ان هذه المزارع لبنانية بالوثائق والخرائط وبالتالي لا يمكن ان يترك هذا الامر على غارب الصدف او تحت رحمة التفسيرات الاسرائيلية للقرارات الدولية، وعندما يتحدث شارون عن «لانية اسرائيل الانسحاب من الجولان» على السوريين واللبنانيين ان يفهموا ما يريد قوله شارون والرسالة التي يريد ايصالها، ولذلك الا يكون الغرق في التفاصيل اقرب الى منطق ابو سمير وابو صالح وحليمة النقشة؟

hasana961@yahoo.com
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر