نوبل للاداب
كتبهاhasanaa1 ، في 13 تشرين الأول 2006 الساعة: 17:14 م
" نوبل للاداب " … مرآة التحيز الغربي
حسن احمد عبدالله
ذهبت جائزة نوبل للاداب هذا العام الى التركي اورهان باموك , وكان هذا الكاتب تعرض لحملة قاسية من قبل التيار اليميني في تركيا بعد ادلائه بتصريحات تتعلق بالمجازر التي ارتكبت ضد الارمن في العقدين الاولين من القرن العشرين , وقبل انهيار الامبراطورية العثمانية . وفي اليوم نفسه الذي منحت مؤسسة نوبل جائزتها للاداب الى باموك كانت الجمعية الوطنية الفرنسية ( البرلمان) تقترع على مشروع قانون يجرم انكار المجازر العثمانية بحق الارمن , وفي اليوم ذاته ايضا اعلنت قبرص انها ستعرقل انضمام تركيا الى الاتحاد الاوروبي الذي ماتزال الدوائر المعنية فيه تعمل على تذليل العقبات التي تعترض انضمام تركيا الى الاتحاد.
يعتبر موضوع انضمام تركيا الى الاتحاد الاوروبي التحدي الحقيقي لتجاوز ارث الماضي المليء بالحروب والصراعات بين اوروبا والاسلام , تماما كما التحدي كبيرا بين تركيا الحاضر , الدولة العلمانية , وبين تركيا التي تجاهد للحفاظ على الرمزية الامبراطورية التي انتهت مع توقف البنادق في الحرب العالمية الاولى عام 1918 , وظهور حركة مصطفى كمال اتاتورك كحركة تحديث شاملة للدولة والمجتمع .
بين التحديين ثمة الكثير من الدروس التي يمكن استلخاص العبر منها, واهمها على الاطلاق تجديد الخطاب في العلاقة الحضارية بين الشرق والغرب , وبين الاسلام والغرب , وبين القومية والاممية , وبين الوطنية والاممية , بمعنى اخر , هو تجديد للثوابت الحضارية في العالم في المرحلة الراهنة , وذلك في محاولة للخروج من نفق الصراع الاخذ في الاتجاه اكثر الى العنف والتدمير وفرض الهيمنة على الاخر , والتخلص نهائيا من ذهنية التوسع والهيمنة الامبراطورية المستترة بعباءات عدة منها العولمة والتحديث ومكافحة الارهاب .
اذا امعنا النظر في الموضوع الثقافي التركي لوجدنا اننا امام معضلة حقيقية تقوم على ثنائية داخلية وخارجية, هي في الواقع معضلة التوفيق بين العلمانية الاتاتوركية وبين الارث الامبراطوري العثماني على مستوى الداخل, وعلى مصعيد الخارج, العلاقة بين الغرب والاسلام .
يحاول التيار المتطرف في كلا المعسكرين ( العالم الاسلامي والغرب) تصوير المعضلة على انها " معضلة العلاقة بين الاسلام والمسيحية " , وكأن الصراع في جوهره هو صراع اديا بينما الواقع غير ذلك تمام اذ ان الصراع مبني على قاعدة الاخضاع والريبة , ولقد اثبت الطرف الغربي في اول امتحان حضاري ذلك عندما لجأ الى خطاب حقبة الصراع الدموي , وعاد الحديث عن العالم المسيحي في مواجهة العالم الاسلامي , و جعل قواعد الاقتراب من العصرنة والحداثة او الابتعاد عنها هي بمدى الابتعاد عن المكونات الحضارية للمجتمعات الاسلامية او الاقتراب منها , اي ان المجتمع الاسلامي كلما ابتعد عن مكوناته الحضارية كلما اقترب من الحداثة والعصرنة وكلما اقترب من هذه المكونات كلما ابتعد عن الحداثة واصبح بربريا او " ارهابيا" .
اورهان باموك في هذا الجانب ليس معنيا كثيرا , لكنه حالة معبرة عن طبيعة الخطاب الغربي الموجه الى تركيا باعتبارها الرمز الاسلامي في العلاقة مع الغرب , اذ العلمانية التركية ليست الرقم الاهم في الحسابات الاوروبية , انما الديموغرافيا والانتماء الديني للغالبية التركية هي الرقم الحقيقي في هذا الشأن , ولهذا تكون " نوبل للاداب " هذا العام لها دلالة رمزية منسجمة مع الدلالات التي انطوت عليها في السنوات الخمس الماضية عبر الشخصيات التي منحت لها هذه الجائزة , وكانت الاعتبارات الناشئة عما حدث في 11 سبتمبر 2001 الاساس الذي بنيت عليه الحثيثيات غير المعلنة لمنح الجائزة .
المهم في هذا الشأن هو ان تركيا الان تخوض التحدي على اكثر من جبهة , على المستوى الوطني لم تستطع التخلي عن الارث الامبراطوري , وماتزال الدولة العلمانية تدافع عن الامبراطورية العثمانية وكأن دولة الحاضر هي امتداد سياسي طبيعي لدولة الامس , وفي الوقت ذاته تعمل على ان تخرج من الارث الثقافي للامبراطوريةعبر انكار ماجرى ابان الحكم الامبراطوري , وانكار الارث الثقافي الذي هو ارث اسلامي , اي ان تركيا تعيش تناقضا ثقافيا من الصعب تفكيك الغازه , فالعلمانية التركية تنفي الارث الثقافي الاسلامي العثماني , والموقف من القضية الارمنية ينفي العلمانية هذه بطريقة غير مباشرة , اذ ان انكار المجازر التي ارتكبت ابان الحكم العثماني ( بين عامي 1908 و 1918) بحق الارمن , يعني تبني وجهة النظر العثمانية , وهذا التبني يعني ضرورة الاخذ بكل الارث العثماني لان المجازر تلك ارتكبت على اسس عدة من ضمنها اللبوس الديني الذي البست به عبر الخطاب العثماني في تبرير هذه المجازر, واعتبرت من ترسبات حقبة التوسع الفرنجي تحت شعارات دينية ( مايعرف بالحروب الصليبية), وفي المقابل يفرض تبني العلمانية الانسلاخ بالمطلق عن الارث العثماني لانه ارث في جوهره الثقافي ديني ذات .
الحال التركية هذه ليست افضل من الحال الغربية التي عبر عنها الاقتراع الاخير على قانون تجريم انكار المجازر ضد الارمن في الجمعية الوطنية الفرنسية بوضوح , وهو قانون موجه ضد تركيا في الشكل وانما في الاساس هو رسالة الى العالم الاسلامي برمته , وهو يعبر عن واقع الحال الثقافية الفرنسية الراهنة , اذ ان نحو 76 في المئة من الفرنسيين ( حسب الاحصاءات المنشورة في عدد من وسائل الاعلام ) ضد انضمام تركيا الى الاتحاد الاوروبي من منطلق انها دولة اسلامية ولايمكن ان تكون عضوا في اتحاد مسيحي , ولذلك رأينا كيف ان القانون اقر بغالبية كبيرة من قبل النواب الفرنسيين الذين يطمحون الى تجديد ولايتهم مرة اخرى في الجمعية الوطنية .
هنا لابد من الاشارة الى عودة الروح الى خطاب التطرف في العالم , اكان تطرفادينيا او عرقيا , يحمل دائما في طياته العودة الى خطاب الماضي , في محاولة لاثبات المشروعية التاريخية للقضية التي يتبناها هذا التيار او ذاك , ولهذا نسمع بعض الاصوات الفرنسية الان التي عادت للحديث عن فرنسا كونها البنت البكر للكاثوليكية في العالم . ولهذا ليست مسألة المجازر العثمانية ضد الارمن هي الاساس , والتي هي واقع تاريخي لا يمكن انكاره و لايمكن تبريره ولايمكن القبول به , انما المسألة هي في تركيا المسلمة الانتماء رغم علمانيتها , وهي ايضا مسألة الخطاب الاوروبي العلماني الشكل لكنه يحمل مضمونا معاديا للعلمانية وذلك عبر سلسلة القوانين الساعية الى طمس احد اهم المكونات الثقافية لشريحة لا بأس بها من الاوروبيين, وهم المسلمون الذين يتعرضون لعملية اجبار على التخلي عن احد اهم المكونات الثقافية لهم وهو الانتماء الديني, وان بالشكل , باسلوب حضاري وهادىء ومسالم على العكس من الاسلوب الذي استخدم في الاندلس عندما انهارت الدولة العربية اواخر القرن الخامس عشر , لكن اذا نظرنا الى جوهر الاسلوب لوجدنا ان الهدف هو ذاته لم يتغير منذ خمسمئة عام .
بين تركيا المتناقضة في الداخل ثقافيا وسياسيا وبين الاتحاد الاوروبي الذي يعيش ازمة حقيقية في مسألة انضمامها اليه وبالتالي التغلب على النزعة التوسعية وفرض الهيمنة على الاخر وجعل الاتحاد اتحادا مسيحيا , يبرز اورهان باموك و اليف شفق ( كاتبة تركية اتهمت اخيرا بانها ضد الدولة لانها انتقدت الصمت على المجازر ضد الارمن) بصفتهما الرمز لتركيا الجديدة الصالحة للانضمام الى الاتحاد الاوروبي حسب شروط منطق الهيمنة والغاء الاخر .
في مقابل كل هذا لنتذكر الخطاب والموقف من المسألة النازية ( المرفوضة هي الاخرى) ومن السامية والخطاب المستخدم في هذا الشأن , والوظيفة التي يؤديها هذا الخطاب راهنا ونقارن بين الخطابين , ربما نرى المشهد الاوروبي والغربي على حقيقته .
HASANA961@YAHOO.COM
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























