لمراسلة الكاتب

hasana961@yahoo.com

hasanaa1@maktoob.com

حركة الفكر

كتبهاhasanaa1 ، في 1 تشرين الأول 2006 الساعة: 15:13 م

حركة الفكر التوسعي الغربي 

 وخطابها التعبوي عبر التاريخ

 

 

 

حسن احمد عبدالله

 

الحملة التي يتعرض لها الاسلام والعرب من قبل الدوائر الغربية المتطرفة ليست وليدة رد الفعل على احداث الحادي عشر من سبتمبر وماتبعها من احداث كانت حركات التطرف سببا فيها , وانما هي في الواقع نتاج مدرسة فكرية غربية لا علاقة بينها وبين الدين ( اي كان هذا الدين ) , وانما هي مدرسة التوسع الامبريالي التي تعود جذورها الى اكثر من الف عام , وكانت في مرحلة من المراحل البست عباءة دينية مسيحية من اجل اضفاء طابع القداسة على الحرب التوسعية التي سعت اليها ممالك اوروبية عدة.

 

وليست المحاورة التي استشهد بها البابا بنيديكتوس السادس عشر في محاضرته التي القاها في 25 اغسطس الماضي في المانيا الا استشهادا منهجيا يؤكد على فكر المدرسة تلك , و لقد صدر العديد من الكتب في سياق كشف الملتبس او المستور او اعادة قراءة المدرسة الغربية تلك , ولقد اعيدت دراسة غزوات الفرنجة (الحروب الصليبية) عشرات المرات , واعتبر الكثير من الباحثين ان الفكر الذي قاد تلك الحروب اصبح من الماضي , وان الاسباب والظروف تبدلت فخيضت الحروب على اسس جديدة مغايرة تماما لما كانت عليه " الحملات الصليبية. "

 

لكن السؤال : هل المدرسة التوسعية المرتدية العباءة الدينية انتهت ؟ وهل يمكن لجهة كانت تتمتع بقوة سياسية هائلة الا تستغل الفرصة من اجل العودة الى الامجاد السابقة ؟ وهل اذا كان البابا يتمتع بقوته التي كانت ابان التوسع الامبراطوري تحت يافطة " الحرب المقدسة " هل كان اطلق ستالين في الحرب العالمية الثانية عبارته المشهورة حين قالوا له ان البابا يهدد باتخاذ اجراءات ضد الاتحاد السوفياتي , فقال ستالين :" اخبروني كما فيلقا عند البابا" . وربما هذا الكلام ان قيل اثناء "الحملات الصليبية" لكان قيل لستالين كم فيلقا يأتمر بأمرة البابا وبخاصة اذا كان هذا البابا هو اوربان الثاني الذي بارك حملات غزو عدة في اواخر القرن الحادي عشر.

 

ضمن الكتب التي صدرت مطلع العالم الحالي كتاب " تصديات الارهاب الدولي للسلم الاسلامي " للدكتورة هند رجب فواز , وفيه تعمل الدكتورة فواز على المقارنة بين الحروب التي شنتها الممالك الاوروبية القديمة وبين مايسمى الان " الحرب على الارهاب " , كما تعرض للاحداث والقلاقل والحروب التي خاضتها الممالك الاوروبية القديمة بين بعضها بعضا وتأثير ذلك على حملات الغزو التي تعرضت لها بلاد المشرق.

 

تعتبر فواز ان الحروب التي تشهدها المنطقة الان هي امتداد لحروب سابقة وتكتب " رغم تفشي الحروب الدولية , وخصوصا في منطقة الشرق الاوسط و من دون ان توسم تلك الحروب بصفة الارهاب , ولما كاد هذا التعبير يقتصر اطلاقه على جماعات اسلامية حتى بات الاسلام في نظر الغرب مواز للارهاب (…) لجأنا الى وقائع حربية تاريخية منذ ظهور الاسلام حتى يومنا هذا , في هذا الكتاب , وخلصنا من ذلك الى نتيجة مفادها ان الحروب الدائرة اليوم هي امتداد للحروب التي بدأتها اوروبا منذ القرن التاسع الميلادي حين سعت خلالها الى تقويض دور بيت المقدس الذي طالما حرص المسلمون عبر تاريخهم لابقائه رمزا لاجتماع كلمة الله في الديانات الثلاث الكبرى , اليهودية والمسيحية والاسلام ", و تعتبر فواز ان الاحتلال الاسرائيلي للقدس هو السبب في هذه الحروب الان.

 

في الكتاب تعرض فواز لما قام به الفرنجة في غزواتهم وللمجازر التي ارتكبت بحق العرب والمسلمين , وفي الوقت ذاته تعرض لمعاملة المسلمين للشعوب التي خضعت لسلطتهم , وفي هذا السياق تعود فواز الى الحقبة التي تحدث عنها البابا بنيديكتوس السادس عشر والاستشهاد الذي اقتبسه من المحاورة بين الملك البيزنطي و عالم الدين الفارسي , اي بين عامي 1370 و1480 , وفي هذا السياق تكتب فواز " ماقام به الاسبان تجاه العرب و المسلمين في الاندلس من اضطهاد تحت ستار الحملات التنصير الاجباري , لم يحدث قط ان كانت له جذور توجب قيامه طيلة العهود الاسلامية في الاندلس " . اذ لم تخضع شعوب تلك المنطقة اثناء الدولة الاسلامية الى حملات اجبار بالقوة على اعتناق الدين الاسلامي .

 

هذا التنصير الاجباري كان اشبه بحملة تطهير وفي هذا الشأن تكتب فواز " كان من نتيجة اعمال لجان التفتيش ان المسلمين لم يخيروا بين التنصير او الاجلاء , فهناك العقاب بالاعدام على ايدي رجال محاكم التفتيش لكل من كان يرفض التنصير. "

 

في هذا الجو ليس غريبا ان يكون موقف الملك البيزنطي على النحو الذي تحدث عنه البابا بنيديكتوس السادس عشر في محاضرته , وفي جو سياسي وثقافي كما هي الحال الان ليس غريبا ان يلجأ البابا الى الاستشهاد بهذا الموقف تحديدا , فعالم الدين المخضرم هذا يعرف تماما ماذا تعني الادلة والسياق الذي تساق فيه , ويعرف كيف يتم التذكير بمراحل تاريخية معينة, وماهي المناسبات التي تساق فيها الادلة , اي بمعنى اخر , ان الكلام الذي يقال في السلم غيره عن الذي يقال في الحرب , ومن هنا اذا اخذنا كلام البابا في سياق سياسي عام لوجدنا فيه كلاما اقرب الى كلام الحرب من كلام السلام , ولاسيما ان البابا الحالي من الشخصيات التي عملت على الحوار بين الاديان , وهو ايضا من الذين نظروا لما يعرف " بالازمة الاوروبية مع المد الاسلامي" , وهو صاحب كتاب " اوروبا والعلمانية والاسلام " وفيه يتحدث عن خطر هجرة المسلمين الى اوروبا وانخفاض معدلات الولادة بين الاوروبيين وتحول القارة الى قارة مسلمة . والبابا ايضا من الذين عارضوا انضمام تركيا العلمانية, ذات الاكثرية المسلمة , الى الاتحاد الاوروبي .

 

وفي اي قراءة لا يمكن الفصل بين العقل الانشائي للخطاب عند البابا وبين الموقف السياسي , وبالتالي ليس مستبعدا ان يكون الموقف استفزازيا على النحو الذي كان عليه في الاقتباس الذي ساقه البابا في محاضرته الشهيرة لانه ينسجم مع اسلوب انتاج الفكرة الذي لدى البابا , وينسجم مع الحال السياسية العامة السائدة في الدوائر المحافظة والمتطرفة في اوروبا والغرب.

 

في الصفحة 124 من الكتاب تتحدث فواز عن الامتيازات التي اعطيت الى الرومان في بيت المقدس بعد الفتح الاسلامي للمدينة , وتكتب " الامبراطور الروماني شارل الكبير طلب من الخليفة هارون الرشيد السماح له بارسال صدقات الى كنيسة القيامة وانشاء مؤسسات تابعة للامبرطورية الرومانية في القدس ,تقوم على رعاية الشؤون الدينية هناك . ثم تلى ذلك تدفق الرهبان والراهبات مما اضفى على المدينة المقدسة تعاليم الكنيسة الغربية ". وفي المقابل علينا ان ننظر الى ماكانت عليه الحال في اسبانيا بعد انهيار الدولة الاسلامية فيها والمجازر التي ارتكبت بحق المسلمين.

 

المعروف تاريخيا العلاقة المتوترة بين الكنيستين الشرقية ( الارثوذكسية) والغربية ( الكاثوليكية) , وهذا التوتر كان في مراحل عدة قد تحول الى صراع دموي , واذا كان موقف الخليفة هارون الرشيد في تلك الاثناء ادى الى تراجع نفوذ الكنيسة البيزنطية واتساع نفوذ الكنيسة الكاثوليكية في بيت المقدس , فان هذا الموقف كان له تأثيره على العلاقة السياسية بين الخلافة وبين الدول التي تأخذ بالطقس المسيحي الشرقي , ومن هنا يمكن اعادة النظر في الصورة التي رسمت لهذا الخليفة في التاريخ الذي كتب باقلام غير عربية , كما ان الموقف ترك اثره الى وقت في العلاقات تلك , الا ان العلاقات هذه اخذت ايضا بالتوتر مع الممالك الغربية التي كانت تنزع الى السيطرة على الشرق باكمله ليس لاهداف دينية , وانما من لاسباب اقتصادية و سياسية , وفي محاولة لنقل الصراع من الداخل الى الخارج , وربما اذا اعدنا القراءة من حيث بدأت الدكتورة فواز في كتابها هذا لوصلنا الى النتيجة التي عملت على اثباتها , اذ هي تكتب " مايتعرض له العالمان الاسلامي والعربي اليوم ليس بالشيء الجديد , ولو كانت وسائله جديدة ومبتكرة , وبالتالي لاداعي ان نقف مشدوهين امام الضربات التي تحل بن.ا"

 

وفي فترة من الفترات تحول الصراع من ديني الى عرقي و في الصفحة 292 من الكتاب تشير فواز الى المسألة العرقية وتأثيرها على العلاقات بين اسيا واوروبا وتكتب في هذا الشأن " من يتمعن بالتاريخ , ثم بتصرفات زعماء الغرب , يعلم ان الغرب تعتريه نوبات خوف مستمرة من تفوق الاسيويين , اذ قد يؤدي ذلك الى ان تفرض قارة اسيا سيطرتها على القارة الاوروبية , وقبل اندلاع الحرب العالمية الثانية بست سنوات ,قال هتلر : يهينوني باصرارهم على القول انني اسعى الى الحرب , امجنون انا ؟ وهل كانت الحرب يوما لتحل المعضلات ؟ لا … ما الحرب الا وبال على العالم . فان نشبت فنيت بها اجناسنا - وهي النخبة بين الاجناس - وادى الامر في المدى الابعد الى سيطرة اسيا على قارتنا."

 

الرغبة التوسعية الجامحة التي ادت الى الحملات الافرنجية على الشرق و الجزع الاوروبي من السيطرة الاسيوية على القارة الاوروبية قديما وبين الخوف الراهن من السيطرة الاسلامية على القارة الشقراء , وبين اختراع العدو الجديد بعد سقوط الاتحاد السوفياتي , كل هذا يجتمع تحت عباءة واحدة وهي عباءة جعل الاسلام والمسلمين والعرب العدو المحتمل دائما , وبالتالي التعبئة ضد هذا العدو الذي يمكن ان يهدد العالم , حسب وجهة نظر الدوائر المحافظة والمتطرفة في الغرب.

 

اذن ثمة مسار فكري تاريخي يجمع بين كل المواقف التي تواجهنا الان , منذ الغزوات الفرنجية ( الحملات الصليبية) الى الحرب على " الارهاب " الان , وكل هذه الحملات والحروب دائما لها مبررها السياسي او العرقي او الديني .

 

واذا تمعنا اكثر لوجدنا ان لغة التعبئة التي يتحدث بها الاخر منذ القدم وحتى الان هي لغة واحدة تختلف فيها احيانا المصطلحات لكن في نهاية المطاف تؤدي كلها الوظيفة نفسها , فمن حديث الرئيس الاميركي جورج بوش عما اسماه " الحرب الصليبية " عام 2001 الى ماقاله عام 2006 عما اسماه ايضا " الاسلام الفاشي " الى حديث البابا في المانيا , وعودة الى كل الارث المعادي عبر التاريخ للاسلام والعرب , نجد ان اللغة مازالت كما كانت منذ القدم , رغم تبدل المصطلحات في حقب معينة.

Hasana961@yahoo.com

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر