تسلبطوا على 14 اذار
كتبهاhasanaa1 ، في 17 كانون الثاني 2006 الساعة: 03:44 ص
< ?xml:namespace prefix = o ns = "urn:schemas-microsoft-com:office:office" />
العين الثالثة
تسلبطوا على 14 اذار
حسن احمد عبدالله
عاشت ام جابر حياتها على حافة التذكر , كما كان يقول ابنها البكر, فهي ان تذكرت امرا عادت الى نسيانه بعد وقت قليل وغرقت في الحيرة الى أن يأتي من يذكرها بالامر الذي نسيته . في منتصف الخمسينات من القرن الماضي كانت نزحت المرأة مع زوجها الى بيروت كما نزحت عشرات العائلات من قراها الى نعيم المدينة , كما كان يعتقد الجميع , وقتذاك ترك زوجها خلفه ارضه التي كان يعتاش منها واخذه اغراء المدينة الى وظيفة هامشية في احدى المؤسسات الرسمية في العاصمة وغرق في حياته الجديدة .
في واحد من ايام الصيف الحارة خرجت ام جابر صباحا من المنزل بقصد شراء مستلزمات الغداء من خضار ولحم , واصطحبت معها ابنها الصغير غسان , ولان المرأة لاتمل من المفاصلة على الاسعار ولا تركن الى خيار ما بسهولة تعب الولد من كثر المشي فطلب الى امه ان تحمله فوضعته على كتفيها واكملت طريقها الا انها نسيت ان الولد فوق كتفيها واخذت تسأل المارة عنه وتصفه وتصف مايلبس بدقة ” شفت ولد لابس قميص احمر وبنطلون اسود مخطط بابيض ؟” او ” ولد عمره اربع او خمس سنين حنطاوي … حدا شافه ياجماعة ؟” , ومن كانت تسأله يبتسم ويمضي في طريقه من دون اجابة اعتقادا منه ان المرأة اما تسخر منه او انها ترمي الى امر اخر !
بعد نحو ساعتين من البحث والحيرة سألت ام جابر ابو جمال بائع الخضار عن ابنها فقال لها الرجل : اليس هو من تحملين فوق كتفيك ؟ ام جابر حملت مسؤولبة ذلك الى الطفل واخذت توبخه على عدم تذكيره لها انه فوق كتفيها .
كانت المرأة اول مانزحت الى بيروت مرضت وبعد ان كشف عليها الطبيب وصف لها دواء وبدلا من ان تتناوله حسب الوصفة الطبية شربته دفعه واحدة اعتقادا منها ان ذلك يؤدي الى الشفاء السريع الا ان الامر ارتد عليها سلبا واصبحت كثيرة النسيان.
في العام 1978 اجتاحت القوات الاسرائيلية الاراضي اللبنانية واحتلتها وجوبهت بمقاومة ضارية انذاك وفي ذلك العام صدر القرار الدولي الرقم 425 القاضي بالانسحاب الفوري من الاراضي اللبنانية التي تحتلها اسرائيل , الا ان هذا القرار وكما القرارات الدولية كافة المتعلقة بالقضايا العربية وضع على الرف وبعد صراع طويل استطاعت المقاومة اللبنانية دحر الاحتلال الصهيوني من الاراضي اللبنانية في العام 2000 , وفي العام 1982 وعقب الغزو الاسرائيلي الثاني الى لبنان تحولت قضية الاسرى اللبنانيين في السجون الاسرائيلية الى قضية اساسية واختير يوم الرابع عشر من اذار (مارس) الى يوم للاسرى والمعتقلين في السجون الاسرائيلية , وباتت القوى المناوئة لاسرائيل تحتفل بهذا اليوم في محاولة لتذكير العالم بقضية هؤلاء الابطال , وعندما تغيرت العقيدة السياسية للدولة وبعد الاستدراك الرسمي اللبناني لقضية الاحتلال وتبني خيار المقاومة تحول هذا اليوم الى يوم وطني تنظم فيه النشاطات الرسمية والشعبية واصبحت “الشريطة الصفراء” رمزا للتضامن مع الاسرى اللبنانيين في السجون الاسرائيلية وتحول الامر بعد فترة الى جعل هذا اليوم يوما للمطالبة بتنفيذ القرار425 وكانت غالبية القوى السياسية اللبنانية والشخصيات البارزة في الدولة تحرص على اعلان موقف من هذه المسألة يتناسب مع طبيعة المرحلة السياسية وقتذاك, واستمر احياء الرابع عشر من اذار (مارس) سنوات عدة وكان يشكل مناسبة وطنية لبنانية في اطار المواجهة مع اسرائيل, وبقيت على الهامش بضع قوى سياسية منذ الاساس حسمت موقفها من اسرائيل لم تشارك في هذا اليوم و حتى في احلك الظروف التي مر فيها لبنان كانت هذه القوى على موقفها الصامت من اسرائيل ( التزام الصمت هذا كان بعد حل الميليشيات اللبنانية ) .
الان بات الرابع عشر من اذار مغايرا في شعاره ومضمونه وباتت بعض القوى السياسية اللبنانية تعتبره يوما ل”الاستقلال والسيادة” ولكن مع تغيير في مضمون مفهوم السيادة والاستقلال اقله اعتبار المصطلح يخص حالة سياسية معينة او بالاحرى اخذ السيادة من جانب واحد مع غض النظر عن الجانب الاخر , وبعد اقل من عام على اتفاق هذه المجموعة من القوى على الانضواء تحت راية الرابع عشر من اذار الجديد دبت الخلافات بينها وراح كل طرف يتهم الاخر بسرقة 14 اذار وغاب الرابع عشر من اذار الحقيقي بين طيات المماحكات السياسية اليومية اللبنانية واختلفت الصورة تماما الى حد لم يعد يذكره احد ولاحتى الحديث عن الخرق اليومي الاسرائيلي لحرمة لبنان بحرا وجوا واستخباراتيا , واذا كانت السيادة رمزا لحرية الدولة والشعب حتى في التخلص من وصاية اقرب المقربين ( هذه الوصاية المسؤولة عن غالبية مشاكل البلد) الا ان التجزئة في هذا الشأن تدخل في اطار اعماء النظر عن امكانية التدخل الاسرائيلي في لبنان من النافذة بعدما خرجت الوصاية السورية من البوابة الكبيرة .
ان الخلاف على الرابع عشر من اذار هو في الاصل خلاف على المغانم التي من الممكن حصدها في المرحلة الانتقالية الراهنة التي يمر فيها لبنان والتي من الممكن ان تفضي الى العودة للمربع الاول وتعود حليمة السياسة اللبنانية الى سابق عهدها وترجع نظرية ” قوة لبنان في ضعفه ” الى التداول مرة اخرى .
بين الرابع عشر من اذار الحقيقي والرابع عشر من اذار المختلف عليه الان والذي كل طرف يتهم الاخر بسرقته التزم اصحاب 14 اذار الحقيقي الصمت وكعادتهم في هذا البلد يموتون من اجل الوطن بصمت .
عندما اخذت الميليشيات في تمزيق الوطن اخترع اللبناني وطنه الحلم عبر اطلاق تسمية “وطن ” على الجندي اللبناني واخذنا جميعنا ننادي الجندي اللبناني ب”الوطن” الان هذا ال”وطن ” يكاد يكون محل شبهة من قبل الذين يريدون لبنان وطنا على مقاس مصالحهم الا ان الوطن الحقيقي بقي حلما.
وحتى في اوج الازمة التي تعصف بهذا البلد الصغير لم يدرك هؤلاء ان الذئب المتربص بلبنان لاتهمه الشخصية السياسية التي تحكم البلد بقدر ماتهمه الضحية التي يخطط للانقضاض عليها ( ما اكثر الذئاب التي تريد من لبنان ان يكون ضحيتها المفضلة) وبالتالي مهما كانت الفوائد التي سيجنيها اللاعبون اللبنانيون الان ستكون في نهاية المطاف “فرق عملة” في حسابات الذئاب.
ومايجري الان الدليل الاكثر وضوحا على ذلك فلقد اطلق النائب السابق للرئيس السوري عبدالحليم خدام اخيرا مواقف عدة تتصل بجوهر الازمة اللبنانية الراهنة وبدلا من الاستثمار على هذه الموقف في مايخدم البلاد استثمرذلك في المماحكات اليومية في الصراع على السلطة وعلى المناصب , واذا كان خدام فضح جانبا من الممارسة السورية في لبنان وبخاصة في موضوع الرئيس الشهيد رفيق الحريري فان ذلك ادعى الى فتح كل الملفات التي اقفلت على زغل من اجل البدء في مرحلة جديدة لايكون الخلاف فيها على من سرق 14 اذار حفلة تنكرية في مهرجان هدم ماتبقى من البلاد بل تكون مناسبة لوضع حد للمهزلة التي تحولت الى اشبه بالسيرك, واذا كانت ام جابر نسيت ابنها على كتفيها وراحت تبحث عنه في شوارع بيروت فان القوى السياسية اللبنانية نسيت ان الخلاف على من سرق الاخر يعني في بعض جوانبه ان هناك لصا وهناك مسروقات وبالتالي لابد من السؤال عمن سرق الجمل بما حمل , من سرق لبنان كله ومن سرق من اللبنانيين او كما اطلق عليهم في مطلع الحرب اللبنانية الاغلبية الصامتة احلامهم وقوتهم وبيوتهم واولادهم و… حياة بعض شخصياتهم السياسية … وحتى … وطنهم , فهل هناك ابو جمال بائع خضار اخر يذكر بمن سرق لبنان ؟
ليس لاي سؤال في لبنان اجابة واضحة لان اي اجابة تفتح العديد من الملفات التي لايرغب الطاقم السياسي اللبناني في فتحها , ويبقى ال”تسلبط” على الرابع عشر من اذار ومايدور حوله من اتهامات العنوان الابرز ل”المكتوب الذي يقرأ من عنوانه” فالى متى سيبقى اللبناني يقرأ عناوين المكاتيب؟
hasana961@yahoo.com
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























